الكاتب.. هاني عاشور
قد تنتهي الحروب في بضعة ايام أو اسابيع أو شهور أو حتى سنوات، لكن تأثيرات الحروب الاقتصادية لا تنتهي بوقف اطلاق النار، اذ كثيرا ما تعيد الدول حساباتها بعد كل حرب، وتعيد تحالفاتها واتفاقياتها مع دول اخرى أو محاور دولية وغالباً ما تكون آثارها طويلة الأمد ومعقدة بما لا يمكن تجاوزها.
فالدول التي تشارك في الحروب تشهد دمارا كبيرا للمصانع والبنية التحتية، وتؤدي إلى توقف الإنتاج في الدول المتضررة، فيما تعرقل سلاسل التوريد العالمية للدول الاخرى، خاصة إذا كانت الدولة المتأثرة مصدرًا مهما للمواد الخام أو السلع مثل الطاقة أو الغذاء كما يحدث اليوم في الحرب الامريكية الصهيونية ضد ايران، وبعد غلق مضيق هرمز أو التحكم في المرور فيه، حيث شهد العالم ارتفاعا لأسعار النفط والغاز ومواد اخرى تدخل في الصناعات المهمة.
فعندما تقع الحروب في مناطق غنية بالموارد، مثل الشرق الأوسط، ترتفع أسعار النفط والغاز ما يؤدي إلى زيادة تكلفة النقل والإنتاج، وبالتالي ارتفاع الأسعار للمستهلكين، اضافة إلى ارتفاع اسعار النقل والتأمين كما يحدث اليوم ويقلل من حجم التجارة الدولية ويؤثر في الدول المرتبطة بها، حيث أصبح البحر مصدرا للمخاوف لا للاستقرار فالحروب تخلق حالة من عدم الاستقرار، مما يجعل المستثمرين يترددون في ضخ أموالهم. وهروب رؤوس الأموال يؤدي إلى ضعف العملات وانخفاض النمو وزيادة التضخم الذي تشكو منه اليوم اغلب دول العالم رغم انه لم يمض على الحرب سوى شهر واحد وبضعة ايام.
ونتيجة لارتفاع الأسعار وتوقف الأنشطة الاقتصادية، تزداد البطالة ويعاني الناس انخفاض القدرة الشرائية، وهو ما نراه اليوم، يضاف إلى ذلك مشكلات النزوح، التي تثقل كاهل الدولة حيث ترتفع تكاليف الإغاثة والخدمات، مما ينعكس على ميزانيات الدول.
ومن خلال كل هذا، فالحروب تُضعف الاقتصاد العالمي من خلال تعطيل الإنتاج، ورفع الأسعار، وزيادة عدم الاستقرار. حتى الدول غير المشاركة في الحرب تتأثر بسبب ترابط الاقتصاد العالمي كما تعيش الان دول العالم هذه الازمة بسبب الحرب الدائرة في الشرق الاوسط.
وقريبا مكانيا وزمنيا مما نتحدث به ومثالا على ذلك فان روسيا وهي من أكبر مصدري الغاز والنفط، خاصة إلى أوروبا، و بعد الحرب والعقوبات، ارتفعت أسعار الغاز بشكل كبير، مما أدى إلى أزمة طاقة عالمية أما أوكرانيا التي تُعد من أكبر مصدري القمح والزيوت، وتوقف التصدير لفترة ما أدى إلى ارتفاع أسعار الغذاء عالميًا، خاصة في الدول الفقيرة، وقد ادى ارتفاع أسعار الطاقة والغذاء إلى موجة تضخم أثرت على معظم دول العالم، لتأتي الحرب الاخيرة لتضيف ازمات ونسب تضخم اكبر مما عليه العالم قبل شهر مثلا.
ولعل اقرب مثال على ذلك هو مشاركة اليمن في حرب غزة ضد اسرائيل واغلاق باب المندب قبل عامين تقريبا، حيث ادت الهجمات على السفن التجارية إلى دفع شركات الشحن لتجنب البحر الأحمر، والتحول إلى طريق رأس الرجاء الصالح أطول بكثير، مما زاد تكاليف الشحن، اضافة إلى تأخير البضائع ووصول السلع إلى أوروبا وآسيا أصبح أبطأ، ما أثر على الأسواق، وهو ما يتخوف منه العالم في حال عاد الحوثيون واغلقوا باب المندب، في الوقت الذي تم فيه اغلاق مضيق هرمز وهو ما يمكن ان يسبب كارثة اقتصادية عالمية غير محسوبة النتائج ما سيؤدي إلى رفع الأسعار عالميا وتعطل التجارة الدولية وزيادة نسبة التضخم وسيلحق التأثير حتى على دول بعيدة عن الصراع.
الصباح