عباس عبدالرزاق
البنية الأنطولوجية للنص الصمت بوصفه أصل الوجود
يفتتح عماد أحمد نصّه بجملة تُقلِب ميتافيزيقيا الكلمة رأساً على عقب: “في البداية لم تكن كلمة؛ كان ثمة أنفاسٌ بلا اسم تتردد في الفراغ.” وهذا ردٌّ صريح على “الكلمة الأولى” في التراثين الديني واليوناني معاً. ففي ما قبل اللوغوس الإغريقي، وما قبل “الكلمة” الإنجيلية، يضع الكاتبُ الصمتَ أصلاً أنطولوجياً لا الكلمةَ. وهذا يستحضر مفهوم هايدغر عن “الصمت الأصيل” (Das Schweigen) الذي يراه أساساً للخطاب الحقيقي؛ إذ إن الكلام الأصيل يصدر عن الصمت لا عن الضجيج، وما الصمت عنده إلا “نمط من أنماط الخطاب” — بل أعمقها.

غير أن عماد لا يقف عند هايدغر؛ ففي قوله: “في تلك اللحظة من ‘اللاوجود’، كنا أنا وأنت” — يتجاوز الأنطولوجيا الغربية نحو الميتافيزيقيا الصوفية. فـ”اللاوجود” هنا ليس عدماً محضاً، بل هو — على طريقة ابن عربي — العدم الأصيل الذي يحتضن الوجود الكامن، “الأعيان الثابتة” في حضرة الغيب. الوجود إذن لا يبدأ بالظهور، بل بالتواري الأول.
جدلية الأنا والآخر ما بين ديالوجية بوبر وعرفان ابن عربي
في قلب النص، تتشكّل فلسفة العلاقة الأعمق حين يكتب: “أنا الذي أعيش في حوار دائم مع نفسي، أدرك أنك لستَ مجرد شخص خارجي؛ أنتَ المرآة التي ترى فيها روحي نفسها.” هذه الصياغة تمزج بين أفقين فلسفيين يبدوان متناقضين: من جهة ، تستحضر ديالوجية مارتن بوبر في “أنا وأنت”؛ فالعلاقة الحقيقية عند بوبر ليست علاقة ذات بموضوع (Ich-Es)، بل علاقة ذات بذات (Ich-Du)، حيث يتجلى الآخر في كليّته لا في جزئيته النفعية. الآخر عند بوبر هو مدخل الإنسان إلى الوجود الحقيقي، بل إلى الإلهي ذاته. وعماد هنا يتنفّس هذا الهواء حين يرفض أن يكون الضمير “أنت” مجرد “تعبير لغوي”.
ومن جهة أخرى ، حين يقول إن “أنت” هي المرآة التي ترى فيها الروح نفسها، فإنه ينزلق ، بوعي ، نحو وحدة الوجود الأكبرية. فعند ابن عربي، الآخر ليس سوى مجلىً من مجالي الحق في مرايا الكون المتعددة. “أنت” إذن ليس إنساناً آخر فحسب، بل هو المرآة الكونية التي يتعرّف فيها الوجودُ الواحد على تجلياته المتكثرة. وقد أشار الكاتب نفسه إلى هذا البُعد في خاتمة النص حين ذكر الوجد بوصفه فناءً في الحب الإلهي. التوتر بين هذين الأفقين ، الديالوجي الوجودي والعرفاني الصوفي هو ما يمنح النص عمقه الفلسفي الحقيقي، ولا يسعى عماد إلى حسمه، إذ يتركه معلقاً في فضاء الصمت بين السطور.
مأزق الحرية نيتشه في مواجهة أفلاطون
يُصرّح النص باختياره الفلسفي حين يقول: “في الفلسفة القديمة، رأى أفلاطون أننا لا نرى سوى ظلال الحقائق، لكنني هنا، في قلب الحياة، أتفق مع نيتشه: نحن لسنا مجرد ظلال، بل نحن صانعو حقيقتنا.”
هذا التقابل الصريح يحمل بُعداً تحريرياً عميقاً. فأفلاطون، بوضعه الحقيقة في عالم المُثُل المفارق ونزوله بالإنسان إلى درجة تأمّل الظلال في الكهف، يُبقي الذات في وضعية استقبالية سلبية تجاه الحقيقة. أما نيتشه، وبالتحديد في مفهوم “إرادة القوة” و*“الإنسان الأعلى”* كمبدع للقيم*،* فيجعل الذاتَ مركزاً إبداعياً لا مجرد مرآة عاكسة.
لكن ما يُميّز موقف عماد عن نيتشه الصرف هو أنه يُدخل بُعد “الآخر” في عملية الخلق الوجودي: “في كل لحظة صمت، نُعيد ابتكار بعضنا من جديد.” هذا يعني أن الحقيقة ليست إنجازاً فردياً منفرداً على طريقة نيتشه، بل هي حدثٌ علائقي يتشكّل في مساحة اللقاء — وهنا يقترب الكاتب من سارتر في وجوديته المتأخرة التي تُقرّ بأن الحرية مشروطة بحرية الآخر، وأن “الجحيم هم الآخرون” قد يُقلَب ليصبح: “الآخرون هم إمكانية خلاصي”.
الجسد المكاني خانقين بوصفها “باشلارية” الروح
يعبر النص عن الانتماء المكاني بلغة تتجاوز الجغرافيا: “أحياناً تحلّق روحي نحو خانقين؛ ليس كمكان جغرافي، بل كـ’فضاء الذاكرة’.”
هذا الاستخدام لـ”فضاء الذاكرة” يُحاكي بعمق ما صاغه غاستون باشلار في “جماليات المكان”، حيث الأماكن الأولى — البيت، الحديقة، الزاوية الأولى — ليست مواضع في الخارطة بل بُنى لاوعيوية تسكن الروح وتُشكّل طريقة وجودها. “البيت الأول” عند باشلار هو الكون الأول، الكون بمعناه الحميم.
ما يمنح هذا المقطع خصوصيته الشعرية-الفلسفية هو ثلاثية الحواس التي يبنيها عماد: صوت الجدول، رائحة التراب، حلاوة التمر — وهي ثلاثية ليست ترفاً وصفياً، بل بنية ظاهراتية بالمعنى الميرلو-بونتي. فمورلو-بونتي في “فينومينولوجيا الإدراك” يرى أن الجسدَ — بحواسه الخمس — هو الوسيط الأوّل لفهم العالم وهو “الأنا الأول” قبل كل تجريد. الهوية إذن ليست في الوثائق بل في العلامات الحسية المُختزَنة في الجسد الحي.
وحين يقول: “رائحة التراب وحلاوة التمر ليستا مجرد حواس، بل هويةٌ تجري في دمي” — فإنه يُسمّي ما أسماه ميرلو-بونتي “الذاكرة الجسدية” (La mémoire corporelle) بلغة شعرية لا تحتاج إلى مصطلح.
الوجد والصمت الأخير فلسفة ما لا يُقال
تبلغ الفلسفة الضمنية في النص ذروتها في الجملة الختامية: “الوجد — الفناء في الحب الإلهي — ليس صوتاً ولا كلمة، بل سرٌّ بين صمتين.”
هذه الجملة تستدعي ثلاثة أبعاد في آنٍ واحد:
أولاً: تستحضر الصوفية الإسلامية الكلاسيكية — الوجد عند الجنيد والحلاج والنفري — حيث الفناء في الحق هو أعلى مراتب المعرفة، وهي مرتبة تتجاوز الكلام لأن الكلام انثيالٌ في الكثرة، والفناء عودةٌ إلى الوحدة.
ثانياً: تُصادي مفهوم فيتغنشتاين الشهير: “ما لا يمكن الكلام عنه، يجب الصمت عنه” (Wovon man nicht sprechen kann, darüber muss man schweigen). غير أن الفارق الجوهري أن فيتغنشتاين يصمت ليُحدّد حدود اللغة المنطقية، أما عماد فيصمت لأن الصمت ذاته هو اللغة القصوى، لغة لا تحدّ بل تُفيض.
ثالثاً: يُوظّف ما يشبه مفهوم ريكور عن “الفضاء الأمامي للنص” (L’horizon du texte)؛ إذ النص الحقيقي لا ينتهي بآخر كلمة، بل يفتح أمامه أفقاً دلالياً يُكمله القارئ في صمته هو. وهذا ما يفسّر توقف النص لا انتهاءه.
في الخلاصة: بنية الفضاء بين بين

