كتابة : عماد أحمد
ترجمة: نرمين عثمان محمد / عن صحيفة كوردستاني نوى
في حلمي، وقبل طوفان نوح، في مسجد قرية تەنگیسەر في قه ره داغ، دار حوار فكري نادر وعميق بين ثلاثة من أصدقائي الأعزاء،آزاد هورامي، وبكر الحاج سفر، وخالي الأستاذ محسن ، حول شروق الشمس وغروبها والزمن، كنت أستمع حين قال كاك آزاد:
“يظهر شروق الشمس كطفل حديث الولادة، يضيء السماء بابتسامة نقية.”
وقال الأستاذ محسِن:
“عند الغروب، تمضي الشمس كشيخ حكيم إلى البحر، بقلب هادئ وعينين مليئتين بالتجربة.”
وقال السيد بكر:
“الطفل يعيش في الحاضر، فالماضي بعيد جدًا عنه، والمستقبل كحلم غامض، لذلك يكون الزمن في إحساسه واسعًا وغير مقيد بالساعة.”
وأضاف كاك آزاد:
“الطفل لا يعرف الزمن، بل يعيش فقط.”
وقال الأستاذ محسِن:
“الشيخ يعرف الزمن، لذلك يحسب كل لحظة.”
ثم قال السيد بكر:
“يقول الأقدمون: من لا يفرح بشروق الشمس، لن يفهم الغروب.”
وفجأة، وعلى صوت أذان الفجر من مسجد نالي في حي عقاري بمدينة السليمانية، استيقظت وكتبت هذه السطور:-
لا أحد يستطيع أن يمسك بجناحي الزمن، حين يحلّق بهدوء فوق أكتاف الأيام،في الصباح، عندما يحتضن أول شعاع للشمس وجه الأرض، تستيقظ الحياة ببطء من نومها، بلا سؤال ولا جواب.
وفي المساء، عندما يتحول لون السماء من الذهبي إلى الأحمر الحزين، تغيب الشمس كملك صامت يخلع تاجه، وبين هاتين اللحظتين، يكتب الإنسان قصة، قصة لا تكتمل أبدًا.
الزمن هو ذلك الضيف الذي لا يتوقف أبدًا، لكنه لا يُرى،نظنه مجرد أرقام من الثواني، غير أن حقيقته نورٌ بين ظلامين، يبدأ مع الشروق، ويختفي مع الغروب،وفي كل لحظة يحدث تغير صغير، وفي كل تغير يضيع جزء منا دون أن نشعر.
يعمل الكون كآلة عظيمة بصمت، تدور الأرض، ويمضي الزمن، وتولد الحياة بين هاتين القوتين، ومع ذلك، فالإنسان ليس مجرد متفرج، بل هو شاعر يرى في كل شروق أملاً، وفي كل غروب ذكرى مؤلمة.
اليوم، صنعت الشاشات ضوءها الخاص، فالليل الذي كان ينبغي أن يكون ملاذًا للراحة، أصبح سوقًا للضجيج والضوء، والنهار الذي كان يفترض أن يكون وقتًا للحياة، صار سباقًا لا ينتهي.
وبين هذه الأضواء المصطنعة، فقدنا نورنا الحقيقي، وضِعنا بين الثواني، ونسينا معنى “اللحظة”.
في عيني الشاعر، يجدّد الشروق القلب، ويأتي الغروب كإغلاق هاديء لكتاب مليء بالأحلام، يرى الفنان الألوان، ويطرح الفيلسوف الأسئلة، لكن قلب الإنسان هو الموضع الذي تتلاقى فيه كل هذه المعاني.
أتذكر طفولتي، حين كانت الشمس مجرد شمس،لم تكن رمزًا للزمن، ولا ذكرى، ولا علامة حزن، كانت أشعتها تأتي كأنها لعبة تكسر الظلام،أما الآن، فكل غروب صفحة مغلقة من حياتي، كل يوم ينقصني، وكل ليلة تبعدني أكثر عن نفسي.
شروق الشمس وغروبها ليسا مجرد حدثين طبيعيين، بل هما رسالتان من رسائل الحياة، تخاطبان الإنسان كل يوم بلغة صامتة.
يقول الحكماء: “كل فجر فرصة جديدة، وكل غروب تذكارٌ عميق بمعنى النهاية.” وهذا يعني أن الشروق رمز لبداية الأمل، أما الغروب فيعلّمنا كيف لا نخاف الفقد والموت، وكيف نتقبل التغير.
وفي الختام، ربما لا يكون للزمن معنى في ذاته، وربما نحن من نمنحه المعنى بأنفاسنا، بأحلامنا، وبالكلمات التي لم تُكتب،وبين شروق الشمس وغروبها، نحاول أن نكتب قصة كاملة، لكن غالبًا ما تغيب الشمس قبل أن نكتب الكلمة الأخيرة، وتبقى الصفحات بيضاء.