*محمد شيخ عثمان
واخيرا، انتخب العراق يوم السبت 11/4/2026 نزار محمد سعيد (نزار آميدي) رئيسا للجمهورية في لحظة سياسية مفصلية و في خطوة تحمل دلالات تتجاوز البعد الدستوري نحو ديمومة ترسيخ مفهوم التوازن الوطني، واستمرار نهج التوافق الذي شكل في مراحل سابقة صمام أمان للعملية السياسية.
هذا الانتخاب لا يمكن فصله عن الإرث السياسي لمدرسة جلال طالباني، التي أسست لنموذج الرئيس الجامع، القادر على مد الجسور بين القوى المتباينة، وتغليب منطق الحوار على الصراع، وإن انتمائه إلى مدرسة مام جلال لايقتصر على البعد التنظيمي داخل الاتحاد الوطني الكردستاني، بل يتجاوز ذلك إلى كونه من الشخصيات المقربة والموثوقة لدى الرئيس الراحل، وهو ما يمنحه رصيدا سياسيا ومعنويا مهما في الوعي العراقي العام، فمدرسة مام جلال لم تكن مجرد إطار حزبي، بل نهجا في إدارة الدولة قائما على التوافق، والاعتدال، والانفتاح على مختلف المكونات.
هذا القرب من إرث مام جلال يمنح الرئيس الجديد انطباعا إيجابيا لدى شريحة واسعة من العراقيين، خاصة أولئك الذين ما زالوا يرون في تجربة الرئيس مام جلال نموذجا لرئيس جامع، قادر على لعب دور الوسيط بين القوى السياسية المتنازعة، ومن هنا، فإن ترشيح شخصية نشأت في هذا السياق السياسي يفتح آفاقا رحبة لإعادة إنتاج هذا الدور في مرحلة تتسم بالتعقيد.
**لقد جاء اختيار نزار آميدي في ظرف يتطلب شخصية تمتلك خبرة عميقة في إدارة الدولة، وفهما دقيقا لتعقيدات المشهد السياسي فهو لم يكن طارئا على مؤسسات الحكم، بل كان حاضرا في قلبها لأكثر من عقدين، مستشارا لثلاثة رؤساء جمهورية هم الرؤساء :مام جلال ، ود.فؤاد معصوم، ود.برهم صالح، وهو ما أتاح له الاطلاع المباشر على آليات اتخاذ القرار، وإدارة الأزمات، وبناء التوافقات السياسية.
هذه التجربة المتراكمة تمنح الرئيس الجديد قدرة خاصة على التعامل مع التحديات الراهنة، وفي مقدمتها إعادة بناء الثقة بين القوى السياسية، ومعالجة التوترات بين بغداد وأربيل، وهي ملفات لطالما شكلت اختبارا حقيقيا لفعالية رئاسة الجمهورية.
هنا، تبرز أهمية خلفيته التي تجمع بين الانتماء إلى الاتحاد الوطني الكردستاني، والخبرة العملية في العمل الاتحادي، ما يجعله مؤهلا للعب دور الوسيط المقبول من مختلف الأطراف.
وعلى المستوى الدولي، يحمل انتخاب نزار آميدي رسالة مفادها أن العراق يسعى إلى تعزيز حضوره في القضايا العالمية، خاصة في مجالات البيئة والتنمية المستدامة، فخبرته كوزير للبيئة، ومشاركته في مؤتمرات دولية كبرى، تمنحه أفقا أوسع في تمثيل العراق خارجيا، وربط السياسات الوطنية بالتحولات العالمية.
—الاتحاد الوطني ورئاسة الجمهورية.. استحقاق الأداء لا المحاصصة–
لا يمكن قراءة انتخاب نزار آميدي بمعزل عن التجربة المتراكمة للاتحاد الوطني الكردستاني في إدارة هذا المنصب السيادي، فمنذ انتخاب الرئيس مام جلال كأول رئيس غير عربي في تاريخ الدولة العراقية الحديثة ومنتخب ديمقراطيا، وصولا إلى الدكتور عبد اللطيف رشيد، رسخ الاتحاد الوطني تقليدا سياسيا قائما على تقديم “رؤساء دولة” لا “مرشحي أحزاب”.
لقد أثبتت هذه المسيرة أن رئاسة الجمهورية ليست منصبا تشريفاتيا، كما يروج أحيانا، بل هي ركن أصيل في بنية النظام السياسي، يمارس دورا دستوريا فاعلا في حماية التوازنات، والسهر على تطبيق الدستور، والمساهمة في إدارة الأزمات الوطنية. فهي، إلى جانب رئاسات الحكومة والبرلمان والقضاء، تمثل أحد أعمدة الدولة العراقية الحديثة.
وخلال العقدين الماضيين، قدم الاتحاد الوطني نماذج مختلفة من القيادة الرئاسية، كل منها ترك بصمته الخاصة:
* جلال طالباني: مهندس التوافقات الكبرى، الذي أعاد تعريف دور الرئاسة كمساحة للحوار الوطني.
* د.فؤاد معصوم: صوت الحكمة في زمن الأزمات، حافظ على تماسك الدولة في لحظات حرجة.
*د.برهم صالح: حارس الدستور، وصاحب الحضور الدولي الفاعل.
*د. عبد اللطيف رشيد: نموذج الرصانة الهادئة، الذي أعاد التوازن لخطاب الدولة.
هذه التجربة تؤكد أن الاتحاد الوطني لم يتعامل مع رئاسة الجمهورية كاستحقاق محاصصة، بل كمسؤولية دولة، تتطلب شخصيات تمتلك الخبرة، والاعتدال، والقدرة على تمثيل العراق بكل مكوناته.
ومن هنا، يأتي انتخاب نزار آميدي امتدادا طبيعيا لهذا النهج، لا كخيار حزبي ضيق، بل كحلقة جديدة في سلسلة من الرؤساء الذين جسدوا فكرة الدولة الجامعة. فالمسألة لم تكن يوما “من يحصل على المنصب”، بل “من يستطيع أن يحفظ توازن الدولة”.
إن أهمية هذا المسار تكمن في أنه نقل رئاسة الجمهورية من موقع رمزي إلى فاعل مؤثر، وجعل منها عنصر استقرار لا نقطة صراع، وهو ما يفسر لماذا ارتبط هذا المنصب، طوال السنوات الماضية، باسم الاتحاد الوطني، ليس بمنطق الاستحقاق الحزبي، بل بمنطق الكفاءة السياسية والتجربة المتراكمة.
اليوم، ومع انتخاب نزار آميدي، يقف العراق أمام واقعية ديمومة الدور الوطني لرئاسة الجمهورية، مستندا إلى إرث سياسي عميق، وتجربة مؤسساتية راسخة.
بين إرث الرئيس مام جلال ومتطلبات الحاضر، تتجدد الرهانات على أن يكون الرئيس الجديد امتدادا لمدرسة التوافق، وقادرا ابقاء المنصب كمنصة لحماية الدستور، وتعزيز الشراكة، وترسيخ الاستقرار.
إنها لحظة اختبار حقيقي، ليس لشخص الرئيس فحسب، بل لنهج سياسي كامل أثبت، عبر السنوات، أن الدولة تبنى بالكفاءة والتوازن… لا بالمحاصصة.

