الكاتب..سلام مكي
أثارني الخبر الذي نشرته “الصباح” الغراء، الذي جاء بعنوان “مساع لوقف تجريف 900 دونم جنوب بغداد، إذ أنه جاء بوقت مهم ويمثل تحديا حكوميا وشعبيا وقانونيا، لأن الأراضي الزراعية، تتناقص بشكل كبير، وما حديث عضو مجلس محافظة بغداد محمد الشعلان من أنه تم تجريف 26 ألف دونم في مناطق أطراف بغداد لغرض الاستثمار وبناء المجمعات السكنية إلا دليلا حيا على ما نقول.
إن مشكلة تجريف البساتين والأراضي الزراعية، لا تخص بغداد وأطرافها فقط، بل هي مشكلة تخص أغلب المحافظات، لأن الاستثمار موجود في العراق كله. وإن أولى خطوات الاستثمار هو تغيير الصفة الزراعية للأراضي المراد استثمارها، ثم تصفيرها من أي مشيدات أو مغروسات، حتى تكون جاهزة للبناء الجديد. إن تطبيق قانون الاستثمار مهم، ويساهم بالدفع بعجلة الاقتصاد الوطني، لكن بنفس الوقت، لا يمكننا التضحية بأراضينا الزراعية وقتل هويتنا الوطنية، لأجل الاستثمار، لا يمكننا أن نضحي بسلة البلد الغذائية، وصمام أمانه في الحاضر والمستقبل لأجل شيء آخر، فالزراعة، وإن كانت تشهد اليوم، أوضاعا صعبة، إلا أنها تمثل حصنا منيعا ضد أي خطر مستقبلي قد يتعرض له البلد لا سماح الله، كما أن الزراعة تمثل ثروة وطنية كبيرة، مرتبط بها ثروات أخرى، كالثروة الحيوانية والسمكية، اضافة إلى استيعاب الزراعة للأيدي العاملة الكثيرة، ناهيك عن المشاريع الزراعية، التي تساهم بشكل كبير في توفير السلع والخدمات الأساسية للبلد. الجانب الآخر، إن البساتين والأراضي الزراعية، محمية قانونا، ولا يجوز التعدي عليها من أي جهة كانت، أفرادا أو جهات، لأن القانون، يمنع الجميع وتحت أي صفة من التعدي على الأراضي الزراعية، اضافة إلى وجود جزاءات قانونية تفرض على من يخالف القوانين الخاصة بحماية الانتاج الزراعي. فمثلا تنص المادة الأولى من قانون حماية وتنمية الانتاج الزراعي رقم 71 لسنة 1978: تعتبر الاراضي الزراعية والبساتين ونباتات الاهوار ومنتجاتها ووسائل الانتاج الزراعي ثروة قومية يتوجب على اصحابها وذوي العلاقة فيها والمسؤولين قانوناً عن التصرف فيها وادارتها، استغلالها وفقاً لخطط الدولة ومناهجها، والتعليمات والقرارات والتوجيهات الصادرة من الجهات المختصة، ورعايتها وتطويرها، والامتناع عن كل ما يؤدي إلى تلفها والاضرار بها. ومن هنا نجد أن القانون أسبغ حمايته على الأراضي الزراعية، وعاقب كل من يتعدى على الأرض الزراعية ويسبب تلفها أو الاضرار بها بأي وجه من الوجوه. وتفتيت الأراضي الزراعية، يكون بوجوه عدة، منها ما يكون من خلال قيام مالكي الحقوق التصرفية لتلك الأراضي بتقسيمها إلى قطع سكنية، وبيعها للآخرين لأغراض السكن، خلافا لطبيعة الأرض الزراعية، والوجه الآخر، هو منح الأراضي الزراعية للاستثمار، خصوصا الأراضي المتعاقد عليها بموجب قوانين الاصلاح الزراعي أو قانون إيجار الاراضي الزراعية رقم 24 لسنة 2024، وذلك من خلال فسخ عقود الفلاحين. وفي كلا الحالتين، لا بد من وقفة حقيقية لمنع تفتيت الأراضي الزراعية، سواء كان التفتيت من قبل أصحاب تلك الأراضي أو من خلال منحها لأغراض الاستثمار. إن إثارة هذا الموضوع عبر وسائل الاعلام، أمر مهم جدا، في هذا الوقت، لعله يتم وضع حلول لمعالجة هذه المشكلة التي تهدد زراعة البلد وهويته، العقوبات التي وضعها القانون، وإن كانت لا تتناسب مع فداحة الفعل، إلا أن تفعيلها مهم جدا، كما أن على مجلس النواب، تشريع القوانين التي تحمي الأراضي الزراعية، لأن القانون الوحيد الذي تستند إليه المحاكم في محاسبة من يقوم بتفتيت الأرض الزراعية، هو القانون 71 لسنة 1978وهو قانون تم تشريعه في ظروف تختلف كليا عن الظروف الحالية، لذلك تبرز الحاجة اليوم إلى تشريع قانون جديد يتناسب مع الظروف الحالية.
الصباح