د.طارق جوهر سارمه مي
حين يفقد مقدّم البرنامج بوصلته المهنية، لا يعود مجرّد ناقلٍ للحدث أو مديرٍ للنقاش، بل يتحوّل ــ عن قصدٍ أو عن جهل ــ إلى طرفٍ فاعل في صناعة الاستقطاب، ومهندسٍ لخطاب الكراهية. هنا، لا تُدار الحوارات بحثًا عن الحقيقة، بل تُفصَّل الأسئلة لتخدم موقفًا مُسبقًا، وتُختزل الوقائع في عناوين مثيرة، ويُدفع الضيف إلى زاوية الاتهام بدل أن يُمنح مساحة الفهم.
في بعض القنوات الفضائية العربية، شاهدنا كيف انزلقت برامجٌ مؤثرة من مهنية الإعلام إلى منابر للشوفينية، حيث يُستدعى “الكورد” لا بوصفهم شعبًا له تاريخ وقضية وحقوق، بل كفكرةٍ مشوّهة تُحمَّل أوزار الصراعات الإقليمية. وحين يتكرر هذا الخطاب، يصبح التطبيع مع الإساءة أمرًا عاديًا، ويُعاد إنتاج الصورة النمطية حتى تترسخ في وعي المشاهد.
إن خطورة هذا الانحراف لا تكمن في رأيٍ عابر، بل في المنهج: اختيار الضيوف، صياغة الأسئلة، المقاطعة الانتقائية، والسخرية المبطّنة التي تُقدَّم على أنها “جرأة إعلامية”. هكذا يُستبدل ميزان العدالة بميزان الإثارة، وتُستبدل المهنية بالتحريض. وحين يكون مقدّم البرنامج رمزًا أو اسمًا لامعًا، تتضاعف المسؤولية، لأن التأثير هنا لا يقف عند حدود الشاشة، بل يمتد إلى تشكيل الرأي العام وتغذية الانقسامات.
الإعلام ليس ساحة تصفية حسابات، ولا منصة لتكريس التفوق القومي أو إنكار الآخر. هو، في جوهره، عقد أخلاقي مع الجمهور: أن تُعرض الوقائع بإنصاف، وأن تُدار الخلافات بعقلٍ بارد، وأن تُصان كرامة الشعوب من التشويه. وكل خروجٍ عن هذا العقد ــ مهما تزيّن بشعارات الحرية ــ ليس إلا خيانة للرسالة، وإسهامًا مباشرًا في تعميق الجراح.
الكلمة مسؤولية. وحين تُستباح المهنية، تصبح الشاشة مرآةً للكراهية بدل أن تكون نافذةً للحقيقة.
في إطار النقد المهني للإعلام، يمكن توجيه ملاحظة واضحة إلى مقدّم برنامج «الاتجاه المعاكس» فيصل القاسم بشأن توصيفه قوات سوريا الديمقراطية بـ«أدوات رخيصة»، وهو توصيف يخرج عن مقتضيات المهنية الإعلامية وحدود الخطاب المسؤول.
فالمقدّم، بحكم موقعه وتأثيره الواسع، مطالب بالفصل بين الرأي الشخصي وإدارة النقاش الإعلامي. استخدام توصيفات تحقيرية أو أحكام قيمية مُسبقة بحق فاعل سياسي–عسكري معقّد مثل قوات سوريا الديمقراطية لا يندرج في إطار التحليل، بل يقترب من التحريض اللغوي والتسطيح المتعمد للوقائع. كما أنه يتجاهل السياق التاريخي والسياسي لدور هذه القوات في محاربة تنظيم داعش، وفي معادلات الأمن الإقليمي والدولي، وهو دور موثّق ومعترف به من أطراف دولية متعددة.
المهنية الإعلامية تقتضي طرح الأسئلة الصعبة دون شيطنة، ونقد التجارب دون إهانة جماعية، واحترام حق الجمهور في فهم الوقائع من زوايا متعددة، لا تلقّي أحكام جاهزة. أما تحويل المنبر الإعلامي إلى مساحة لإطلاق توصيفات قاطعة تُسهم في ترسيخ صورة نمطية سلبية، خصوصًا حين تتقاطع مع البعد القومي الكوردي، فإنه يُضعف ثقة الجمهور بالإعلام، ويغذّي الاستقطاب بدل أن يفتح باب النقاش العقلاني.
إن قوة الإعلام لا تُقاس بحدّة اللغة، بل بعمق التحليل، وعدالة التناول، والالتزام بأخلاقيات المهنة. وأي انحراف عن هذه المعايير، مهما كان صاحبه اسمًا لامعًا، يبقى موضع نقد مشروع ومسؤول.

