عباس عبدالرزاق
تبحث هذه الورقة في التحول البنيوي الذي طرأ على التحالف السعودي–الإماراتي في اليمن منذ عام 2019، وتجادل بأن التوتر بين الطرفين لا يُختزل في خلافات تكتيكية أو صراع نفوذ تقليدي، بل يعكس تصادم رؤيتين مختلفتين لإدارة الصراع الإقليمي: رؤية تسعى إلى الحفاظ على الدولة الوطنية بوصفها وحدة أمنية قابلة للضبط، وأخرى تميل إلى إعادة تشكيل الجغرافيا السياسية عبر تفكيك السلطة وبناء شبكات حكم محلية.
تعتمد الورقة مقاربة واقعية–بنيوية، وتتعامل مع اليمن كنموذج تفسيري يكشف تحولات أوسع في طبيعة التحالفات، حيث لم تعد وحدة الخصم كافية لضمان وحدة الاستراتيجية.
منذ انطلاق التدخل العسكري في اليمن عام 2015، بدا التحالف السعودي–الإماراتي متماسكًا ظاهريًا في مواجهة جماعة الحوثيين المدعومة من إيران. غير أن هذا التماسك بدأ يتآكل تدريجيًا، وصولًا إلى انقسام واضح منذ عام 2019، تمظهر في الجنوب اليمني على المستويات العسكرية والسياسية والأمنية.
تكمن أهمية الحالة اليمنية في كونها لا تمثل ساحة صراع محلية فحسب، بل مختبرًا لتجربة أنماط جديدة من التدخل الإقليمي، تتجاوز منطق الحسم العسكري إلى منطق إدارة التفكك وإعادة هندسة الدولة.
تنطلق هذه الورقة من السؤال التالي:
لماذا تفكك التحالف السعودي–الإماراتي في اليمن رغم استمرار التهديد الحوثي–الإيراني، وما الذي تكشفه هذه الحالة عن مستقبل التحالفات الإقليمية؟
الإطار المنهجي والنظري
تعتمد الورقة على: تحليل نوعي للسياسات الإقليمية
دراسة حالة معمّقة لليمن و تحليل سلوك الفاعلين الإقليميين والوكلاء المحليين وربط المستويات المحلية والإقليمية والدولية
ويتم التركيز على أنماط بناء القوة، وأشكال الوكالة المحلية، وأهداف التدخل غير المعلنة.
المقاربة الواقعية–البنيوية
وفق الواقعية البنيوية (كينيث والتز)، يتحدد سلوك الدول من خلال بنية النظام الدولي، لا من خلال النوايا المعلنة. وتفترض هذه المقاربة أن: التحالفات أدوات مؤقتة و التهديد الواحد لا ينتج بالضرورة استجابة موحدة و اختلاف تصورات البقاء يقود إلى تباين الاستراتيجيات
في هذا السياق، يمكن فهم التباين السعودي–الإماراتي بوصفه انعكاسًا لاختلاف عميق في تعريف الأمن ومصادر التهديد.
الواقعية الدفاعية
مقابل الواقعية الهجومية
السعودية تتبنى مقاربة واقعية دفاعية، ترى في الدولة اليمنية الموحدة – ولو الهشة – حاجزًا أمنيًا ضروريًا لمنع الفوضى العابرة للحدود. و الإمارات تميل إلى واقعية هجومية محدودة، تسعى إلى تعظيم النفوذ عبر السيطرة على عقد جيوسياسية (موانئ، سواحل، قوات محلية)، حتى لو أدى ذلك إلى إضعاف الدولة المركزية. هذا التباين لا يعكس اختلافًا في الأهداف
قصيرة المدى فقط، بل صراعًا على شكل الدولة ووظيفتها.
اليمن كساحة
اختبار للتحالفات المتصدعة
مرحلة التحالف الوظيفي (2015–2019)
تميّزت هذه المرحلة بـ: وحدة ظرفية فرضها التهديد الحوثي ، غياب رؤية مشتركة لليمن ما بعد الحرب ،
تركيز على إدارة الصراع بدل حسمه
كان التحالف قائمًا على الحد الأدنى من التوافق، لا على مشروع سياسي متكامل.
مرحلة إعادة التموضع (ما بعد 2019)
شهدت هذه المرحلة: تراجع الدور العسكري الإماراتي المباشر و دعم مشاريع حكم محلي وانفصالي و تفكك الجبهة الجنوبية إلى قوى متنافسة
تحوّل الجنوب اليمني إلى ساحة صراع داخل المعسكر المناهض للحوثيين، ما أضعف الهدف الأصلي للتحالف.
هندسة الوكلاء المحليين
الفاعل نمط التدخل الهدف
السعودية دعم قوى مرتبطة بالدولة الحفاظ على وحدة شكلية
الإمارات دعم كيانات محلية مسلحة إعادة تشكيل السلطة
يعكس هذا التباين انتقال الصراع من مواجهة الخصم الخارجي إلى صراع داخلي على السيادة والشرعية.
من تحجيم
إيران إلى إدارة التفكك
كان من المفترض أن يؤدي توحيد القوى المناهضة للحوثيين إلى هجوم بري حاسم يحد من النفوذ الإيراني. غير أن ما حدث فعليًا هو: تعطيل أي مواجهة حاسمة ، تعميق الانقسامات في الجنوب ، تكريس واقع تقسيمي غير معلن
يتقاطع هذا المسار مع أنماط مشابهة في السودان وليبيا وسوريا، حيث بات تفكيك الدولة خيارًا ضمنيًا لإدارة الأزمات بدل حلها.
الدلالات الإقليمية والدولية
على مستوى التحالفات
التحالفات لم تعد كتلًا متجانسة
وحدة الخطاب لا تعني وحدة الاستراتيجية
على مستوى الدولة الوطنية
تراجع الدولة من فاعل إلى ساحة
صعود الكيانات دون الوطنية
على مستوى القوى الكبرى
إدارة الصراعات بدل إنهائها و قبول التفكك بوصفه أداة ضبط مرحلية
السيناريوهات المحتملة
- 1. احتواء محدود إعادة ضبط الخلاف دون معالجة الجذور البنيوية.
- 2. تفكك متدرج (الأرجح)تثبيت الأمر الواقع
واستمرار الصراع منخفض الحدة.
- 3. انفجار داخلي واسع صدام مباشر بين الوكلاء وانهيار أي تسوية سياسية. کما حدث بین السعودیة والامارات
فی حین کام من المفروض ان : إعادة تعريف اليمن كقضية أمن إقليمي لا ساحة نفوذ و وقف دعم المشاريع التفكيكية المباشرة أو الضمنية و توحيد القوى المناهضة للحوثيين ضمن إطار وطني و الضغط الدولي لإعادة بناء الدولة لا إدارة تفككها و فتح قنوات حوار سياسي سعودي–إماراتي خارج الإطار العسكري
تكشف الحالة اليمنية أن المنطقة دخلت مرحلة جديدة، لم تعد فيها الحروب تُخاض من أجل النصر، بل من أجل إعادة تشكيل الدولة والمجتمع. ويُعدّ الصراع السعودي–الإماراتي تعبيرًا عن هذا التحول البنيوي، حيث أصبحت الدولة الوطنية نفسها موضع نزاع استراتيجي، لا مجرد أداة فيه

