عباس عبدالرزاق
لم يعد الصراع بين الولايات المتحدة والصين محصورًا في حدود المنافسة الاقتصادية أو التكنولوجية، بل بات يتخذ ملامح مواجهة استراتيجية شاملة، تتبلور بوضوح في منطقة المحيطين الهندي والهادئ. فالتقرير الأخير الصادر عن وزارة الدفاع الأمريكية يكشف تحوّلًا بالغ الدلالة: الأراضي الأمريكية نفسها لم تعد بمنأى عن المخاطر المباشرة، في ظل تسارع التحديث العسكري الصيني.
وفق التقرير، تمتلك الصين اليوم قرابة ستمائة رأس نووي عملياتي، مع توقعات بتجاوز الألف بحلول عام 2030. غير أن خطورة هذا التطور لا تكمن في الأرقام وحدها، بل في العقيدة العسكرية الجديدة التي ترافقه. فبكين تعمل على بناء نظام إنذار مبكر متقدم، وتعزيز قدراتها على تنفيذ ضربة مضادة سريعة، بما يقلّص الفاصل الزمني بين تلقي الإنذار واتخاذ قرار الرد. وفي عالم الأسلحة النووية، يعني ذلك تضييق هامش الخطأ إلى حدّ بالغ الخطورة، ورفع احتمالات سوء التقدير في لحظات الأزمات، حيث لا مجال لأي حسابات خاطئة.
التقرير يشير أيضًا إلى نشر الصين مئات الصوامع الصاروخية في مناطقها الصحراوية الشمالية، وإدخال صواريخ باليستية عابرة للقارات قادرة، نظريًا، على استهداف ألاسكا وهاواي والبرّ الأمريكي. ويترافق هذا مع توسّع ملحوظ في القدرات الفضائية والرادارية الصينية، ما يعكس سعيًا واضحًا لبناء مظلة ردع متكاملة متعددة الأبعاد.
بحريًا، تمضي بكين في ترسيخ تفوقها العددي، إذ تمتلك اليوم أكبر قوة بحرية في العالم من حيث عدد السفن، وتخطط لإضافة ست حاملات طائرات خلال العقد المقبل. وتنسجم هذه الخطوات مع رؤية الرئيس شي جين بينغ لبناء جيش بمستوى عالمي بحلول عام 2049، مع محطات زمنية أقرب، أبرزها ما يتصل بملف تايوان بحلول عام 2027.
في المقابل، تؤكد واشنطن أن استراتيجيتها لا تهدف إلى خنق الصين أو إذلالها، بل إلى منع أي قوة من فرض هيمنة عسكرية ساحقة في آسيا. وتقول إنها تسعى إلى تحقيق ردع فعّال بالتوازي مع الحفاظ على علاقات مستقرة قائمة على الاحترام المتبادل. غير أن هذا الخطاب يصطدم بواقع سياسات عملية، يأتي في مقدمتها ملف تايوان.
فصفقة الأسلحة الأمريكية الأخيرة لتايوان، بقيمة 11.1 مليار دولار، اعتبرتها بكين خطوة تصعيدية تسرّع مخاطر الحرب في مضيق تايوان، وتدخّلًا مباشرًا في شأن تعدّه سياديًا بحتًا. ويعكس هذا الملف جوهر المعضلة في العلاقة بين القوتين: فكل خطوة تهدف إلى تعزيز الردع من وجهة نظر طرف، تُقرأ من الطرف الآخر بوصفها تهديدًا مباشرًا لأمنه القومي.
ولا يقتصر التنافس على شرق آسيا وحده، بل يمتد إلى العلاقات الإقليمية، ولا سيما الصينية–الهندية. إذ تتهم بكين واشنطن بمحاولة توظيف الملفات الأمنية لإعاقة أي تقارب إقليمي لا يخدم المصالح الأمريكية. وفي ردها، ترفض الصين التقارير الأمريكية، معتبرة أنها تشوّه سياستها الدفاعية وتثير الخلافات بين دول المنطقة، وتؤكد في الوقت نفسه أن علاقاتها مع الهند تُدار بمنظور استراتيجي طويل الأمد، وأن الوضع الحدودي بين البلدين مستقر نسبيًا.
في المحصلة، نحن أمام صراع استراتيجي طويل النفس، لا يبدو أنه سيتحوّل إلى مواجهة عسكرية مباشرة في المدى القريب، لكنه يحمل في داخله مخاطر حقيقية تتعلق بسوء التقدير والتصعيد غير المقصود. فمع تراجع هوامش الخطأ، وتزايد الاعتماد على أنظمة الإنذار والرد السريع، يصبح الاستقرار مرهونًا بقدرة الطرفين على إدارة الردع بعقل بارد، وفتح قنوات حوار فعّالة، تحول دون انزلاق المنافسة من توازن القوى إلى كارثة استراتيجية لا يريدها أحد، ولا يستطيع أحد السيطرة على نتائجها