تقرير .. محمد البغدادي
حذر خبراء اقتصاديون من أن رفع نسب الضرائب والرسوم قد لا يؤدي إلى زيادة الإيرادات العامة كما هو متوقع، بل قد يقود إلى نتائج سلبية على الاقتصاد. وأشاروا إلى أن التجارب الاقتصادية تظهر أن المشكلة الأساسية تكمن في ضيق القاعدة الضريبية وضعف كفاءة الاستحصال، وليس في انخفاض نسب الضرائب بحد ذاتها.
ويؤكد الخبراء أن الأولوية يجب أن تُمنح لتحسين أداء الإدارة الضريبية، وتوسيع قاعدة المكلفين من خلال دمج الأنشطة الاقتصادية غير المنظمة ضمن الإطار الرسمي، إلى جانب مكافحة التهرب الضريبي الكبير وتحديث الأنظمة والبيانات المالية.
يقول المستشار المالي لرئيس الوزراء مظهر محمد صالح، إن قطاع المهن الخاضع للضريبة لا يشكل سوى نحو 40 في المائة من إجمالي الفضاء المهني في البلاد، في حين يقع ما يقرب من 60 في المائة من هذا الفضاء خارج الوعاء الضريبي، ضمن ما يُعرف بالأوعية الهاربة التي تنشط في إطار السوق الرمادية، وهو ما يمثل أحد أبرز التحديات التي تواجه السياسة الضريبية في العراق.

ويشير صالح في حديث صحفي الى أنّ التوجه السياساتي الأمثل لتعظيم الإيرادات الضريبية، لا يكمن في زيادة الضغط على الشرائح الملتزمة أصلاً بدفع الضرائب، وإنما في توسيع الوعاء الضريبي أفقيا، بوصفه المسار الأكثر كفاءة واستدامة.
وفي المقابل، يوضح صالح أن أي تغيير عمودي في معدلات الضرائب لا يمكن أن يتم إلا من خلال تعديل القوانين والتشريعات الضريبية النافذة، انسجامًا مع القاعدة الدستورية التي تنص على أن فرض الضرائب أو تعديلها لا يكون إلا بقانون، وبما يضمن اليقين القانوني والاستقرار المالي.
فيما يرى المراقب للشأن الاقتصادي علاء الفهد أن التحديات المالية التي تواجهها الدولة في ظل تراجع أسعار النفط باتت واضحة، غير أن معالجة العجز المالي، بحسب رأيه، لا يمكن أن تتم عبر إجراءات سريعة أو قرارات آنية قد تُلحق أضراراً مباشرة بالنشاط الاقتصادي والقطاع الخاص، ولا سيما في مرحلة يتسم فيها الاقتصاد بضعف النمو وارتفاع معدلات البطالة.
ويحذر الفهد خلال حديثه صحفي من أن الإتجاه نحو رفع نسب الضرائب والرسوم لا يعني بالضرورة تحقيق زيادة فعلية في الإيرادات العامة، بل قد يقود عملياً إلى نتائج عكسية، من بينها تراجع الاستثمار والنشاط الإنتاجي، وتوسع حالات التهرب الضريبي والاقتصاد غير المنظم، إضافة إلى خروج عدد من المشاريع الصغيرة والمتوسطة من السوق، وهو ما ينعكس سلباً على فرص العمل وعلى الحصيلة النهائية للإيرادات.

وذكر الباحث الاقتصادي أسعد الربيعي أن رفع نسب الضرائب أو الرسوم بشكل مباشر لا يضمن زيادة الإيرادات، وقد يثقل كاهل القطاع الخاص ويؤثر سلباً على فرص العمل. مبينا أن الحل الأكثر استدامة يكمن في توسيع القاعدة الضريبية بشكل أفقي، عبر دمج الأنشطة الاقتصادية غير المنظمة وتحسين بيئة الاستثمار، بالإضافة إلى تطوير إدارة التحصيل وبناء الثقة بين الدولة والمكلفين.
وحذّر رئيس مؤسسة عراق المستقبل، منار العبيدي، من الاعتماد على زيادة الضرائب والرسوم كخيار سريع لتعزيز الإيرادات غير النفطية، لافتا الى أن هذا النهج قد لا يحقق نتائج مالية فعلية، بل قد ينعكس سلبًا على النشاط الاقتصادي والقطاع الخاص.
وقال العبيدي إن التجارب الاقتصادية الناجحة تُظهر أن الحكومات الرشيدة تركّز على توسيع الوعاء الضريبي والكمركي وزيادة عدد المشاريع العاملة، بدلًا من رفع نسب الضرائب، مشددًا على أن أي زيادة يجب أن تستند إلى دراسات دقيقة تراعي آثارها على النمو الاقتصادي، والتضخم، وفرص العمل.


