أ.م. د. ژینۆ عبدالله
هل يحتاج طالب القانون إلى تعلّم العربية بوصفها لغةً عامة، أم بوصفها لغةً قانونية لها من القوة ما يكفي لتغيير المصائر؟
سؤال لا يُجاب عنه في قاعة الدرس وحدها، بل في أروقة المحاكم، حيث للكلمة ثمن، وللصياغة أثر، وللخطأ اللغوي ضحية.
اللغة القانونية
إنها لغة صارمة، رصينة، مثقلة بالدلالات، متصلة بالشريعة والتاريخ والاجتهاد. كلمة واحدة قد تُنقذ إنسانًا، وأخرى قد تُدينه، وثالثة قد تُكتب في محضر ثم تُمحي من الحياة. ولهذا، فإن تعليم العربية لطلبة القانون، ولا سيما غير الناطقين بها، لا يمكن أن يظل محصورًا في القواعد والتعريفات الجافة.
ما نحتاجه هو القصة.
في هذا السياق، يلفت الانتباه كتاب «دفاعًا عن الملائكة» للمحامي محمد جمعة (2023، دارأكاد)، وهو مجموعة تضم اثنتين وستين قصة واقعية من ساحات المحاكم. يعترف المؤلف منذ السطر الأول أنه ليس كاتبًا أدبيًا، وأن قصصه قد لا تخضع لتقنيات السرد المعروفة، لكنه يكتب بدافع واحد: أن يضع الوقائع أمام القارئ كما حدثت. وهذا، في عالم القانون، فضيلة بحد ذاتها.
وصلني هذا الكتاب في شتاءٍ بارد، ضمن مجموعة كتب أهداها لي الصحفي المخضرم عبدالستار عبدالستار (أبو نزار) خلال زيارته إلى السليمانية. كانت الهدية متنوعة: روايات، كتب مذكرات، وهذا العنوان تحديدًا كان بطلب مني. أعرف أبا نزار منذ سنوات من خلال متابعتي لصفحته في وسائل التواصل؛ رجل يقرأ كثيرًا، ويكتب عن قراءاته بلا ادّعاء، وبشغف صادق. وحين التقينا، لم يكن يحمل كتبًا فقط، بل كان يحمل معه عادة جميلة: أن تُهدي المعرفة بلا مقابل.
عدتُ إلى «دفاعًا عن الملائكة» بوعيٍ تدريسي، لا بعين قارئ عابر. فوجدت فيه مادة حيّة لطلبة القانون. من قصة واحدة فقط، يستطيع الطالب أن يتعلّم كيف تُبني القضية، وكيف تُدار المرافعة، وكيف تُستخدم اللغة القانونية بحذر، والأهم، كيف يكون الفرق بين الاتهام والحقيقة شعرة لغوية رفيعة.
لا أريد أن أسرد القصص هنا، احترامًا لمتعة القراءة، لكن مشهدًا واحدًا يكفي لفهم أهمية هذا النوع من الكتب.
“امرأة وُجِّهت إليها تهمةُ الخيانة. زوجُها أعطاها حبوبًا منوِّمة، وجاء بصديق، وصوَّرهما فيديو.
في المحكمة، قال والدها بهدوءٍ موجِع:
بنتي بريئة… متأكِّد. حتى لو أشوفها بعيني ما أصدق، مو عاد فيديو.
وبعد جهدٍ تَحَصَّلَتْ على الكاميرات الخارجية للجيران التي صوَّرت زوجها يستقبل الرجل حين دخوله الدار، وثبتت براءتها.
وثقةُ أهلها والكاميرات أنقذت حياتها.
لكن كم فتاة قُتِلَت ظلمًا ولم يُنقذها شيء؟”
نحن بحاجة إلى أن يكتب المحامون الصادقون، والقضاة الذين ينامون وضمائرهم مطمئنة، تجاربهم ومذكّراتهم. فالمكتبة القانونية في فضائنا الثقافي العراقي والكوردي ما تزال فقيرة في القصص القانونية الواقعية، رغم وفرة القضايا.
القانون لا يُتعلّم بالحفظ وحده، واللغة القانونية لا تُتقن بالقواعد فقط.إنها تُتعلّم حين نقرأ قصة، ونفهم كيف يمكن لجملة واحدة أن تُنقذ حياة… أو تُنهيها.

