في المشهد السياسي العراقي، حيث يعلو الخطاب الانفعالي وتتصادم الشعارات، يبرز وسط ذلك نمط مختلف من الفاعلين السياسيين؛ أولئك الذين يشتغلون بصمت، ويؤمنون بأن السياسة فن التوازن لا فن الصدام. من بين هذه الأسماء، يبرز نزار آميدي بوصفه أحد الوجوه التي تمثل استمرارية مدرسة سياسية عريقة داخل الاتحاد الوطني الكردستاني، ومدرسة وطنية ارتبطت باسم الراحل جلال طالباني.
نزار آميدي أحد الشخصيات السياسية الفاعلة التي سجلت حضورا مستمرا في بغداد امتد لثلاثة وعشرين عاما، حيث لعب دورا مؤثرا في تعزيز علاقات الجهات السياسية العراقية مع الأطراف الكوردية وعلى رأسها الاتحاد الوطني الكوردستاني.
وبالنظر للثقة العالية التي تمتع بها أميدي لدى الرئيس الراحل جلال طالباني، فقد تسلم ملف إدارة علاقات حزبه الاتحاد الوطني الكوردستاني مع الأطراف السياسية الشيعية والسنية معا، إذ دأب على ترجمة السياسات والاستراتيجات التي تبناها الكورد في العاصمة بغداد، وحشد الأصوات المؤيدة لها، بهدود وحكمة واتزان بعيدا عن فوضى الإعلام والترويج الشخصي.
لم يدخر آميدي جهدا ولا وسعا في التصدي للمسؤوليات الوطنية والكوردستانية، بل بذل أقصى الطاقات لإنشاء لوبيات للتأثير على صانعي القرار في بغداد خدمة للقضايا الكوردية الملحة، حيث نجح في هذا الصدد في تجاوز العقد وفك فتيل الكثير من الأزمات، مستعينا بهدوئه المعتاد وتوازنه في إدارة ملف العلاقات.
مثل الرئيس العراقي الراحل جلال طالباني مصدرا يلهم تلميذه نزار آميدي، وموجها إياه نحو تحركاته السياسية ومناوراته الدبلوماسية، ونظرا لكونه أحد أهم المقربين لطالباني، فقد مكنه ذلك من تبني سياساته والسير على نهجه، كما يعود له الفضل في فوز الكورد وبينهم الاتحاد الوطني الكوردستاني بأحد مقاعد العاصمة النيابية لأول مرة في التاريخ.
الكفاءة والقدرة والخبرة العالية التي يتمتع بها نزار آميدي، وكذلك العلاقات المتميزة التي تربطه بالجهات السياسية العراقية، تجعله من أقوى المرشحين لمنصب رئيس جمهورية العراق، حيث من المتوقع أن تدخل علاقات الكورد مع بغداد على يده، مرحلة جديدة وتتوسع آفاق التعاون بيهما أكثر.
ويرى مراقبون أنه إذا ما وصل آميدي إلى منصب رئيس جمهورية العراق، فمن المرجّح أن يشهد العراق رئاسة هادئة منخفضة الضجيج وعالية الاشتغال السياسي، تُعيد الاعتبار لدور الرئاسة بوصفها ضامنًا للتوازن الدستوري لا طرفًا في الصراع. فالرجل القادم من مدرسة الحوار والتوافق، والمتمرّس في دهاليز بغداد، قد يركّز على تحويل القصر الجمهوري إلى مساحة لتدوير الزوايا لا لتفجير الأزمات.
ومن المنتظر أيضا أن يمنح آميدي أولوية لملفات العلاقة بين بغداد وإقليم كردستان، عبر مقاربة عقلانية تستند إلى الدستور وتبتعد عن منطق كسر الإرادات، مع العمل على تخفيف الاحتقان المزمن في ملفات النفط والرواتب والصلاحيات. كما يُرجحُ المراقبون أن يلعب دورًا نشطًا في تقريب وجهات النظر بين القوى السياسية الشيعية والسنية، مستفيدًا من شبكة علاقاته المتراكمة داخل الإطار التنسيقي وخارجه.

