شهدت بغداد خلال الأيام القليلة الماضية حراكًا سياسيًا محموما، تمثّل في سلسلة لقاءات أجراها رئيس الاتحاد الوطني الكوردستاني بافل طالباني مع الرئاسات والقوى والاحزاب السياسية.
حراك غدى محطّ اهتمام واسع، لأنّه لم يكن مجرد زيارة اعتيادية، بل هو امتدادٌ لمسارٍ راسخ خطّه الرئيس مام جلال، الذي عرف في الساحة السياسية كصانع للتوازنات وحارسٍ للشراكة الوطنية. وقد سار الرئيس بافل على ذات النهج، بثقة وهدوء، معتمدًا الحوار سبيلاً، والحكمة أسلوبًا، والبصيرة منهجًا في إدارة الملفات الكبرى.

ولقيت زيارة طالباني ولقاءاته بصانعي القرار السياسي ترحيبا كبيراً، في دلالة واضحة على اعادة بناء الدور والتاثير الكبير للاتحاد الوطني بعد تراجعه ما بعد الرئيس مام جلال.

دخل بغداد من موقع الشريك الحقيقي، لا من موقع الضيف، في مشهد يعكس احترامًا واسعاً للاتحاد الوطني الكوردستاني ودوره المتصاعد في معادلة الحكم.
هذا الاستقبال وما رافقه من أجواء إيجابية، أعاد التأكيد على أن الاتحاد الوطني ما زال رقمًا مؤثرًا في صناعة القرار السياسي.

هذا الثقل لم يأتِ من فراغ؛ فقد حافظ بافل جلال طالباني داخل الاتحاد الوطني على السياسة التي أرساها مام جلال، إلى جانب المخلصين من رفاقه، ما خلق حالة انسجام داخلية أعادت للحزب صوته الموحد وموقعه الفاعل. ومهّد لطرح رؤية واضحة لتنظيم العلاقة بين الإقليم والحكومة الاتحادية، وضمان الحقوق الدستورية، ومناقشة ملفات اقتصادية وأمنية حساسة تتطلب تعاونًا طويل الأمد بين بغداد وأربيل.

وخلال لقاءاته مع الرئاسات وقادة مختلف القوى والاحزاب السياسية، ظهرت قدرة الفريق السياسي للاتحاد على خلق مساحات جديدة للحوار، وإعادة بناء الثقة مع الأطراف كافة. وان حجم المرونة التي أظهرها الرئيس بافل طالباني بات محط اهتمام المراقبين، وهو ما أسهم في رفع مستويات التفاهم، وفتح قنوات مشتركة يمكن الاعتماد عليها في المراحل المقبلة لمعالجة الازمات والمشاكل والانتكاسات التي شهدتها العلاقة بين بغداد اربيل.

هذا النجاح عزّز القناعة بأن مستقبل الفريق السياسي بقيادته يتجه نحو حضورٍ أقوى في بغداد، وبأنّ الاتحاد الوطني بات شريكًا أساسيًا في هندسة الاستقرار السياسي.
وليس بعيدًا عن هذا المشهد، يؤكد محللون أنّ ما تحقق في هذه الجولة سيكون رصيدًا سياسيًا وجماهيريًا مهمًا لأي استحقاق مقبل، إذ قدّم الاتحاد نفسه كقوة مسؤولة تبحث عن حلول، وتسعى إلى بناء علاقات مستدامة بدل الانخراط في الصراعات والتجاذبات السياسية العقيمة. وبذلك تعزّزت صورته في الشارع العراقي والكوردستاني كطرفٍ متزن واقعي، متمكن من إدارة التحديات السياسية.

وفي المحصلة، أثبتت تحرّكات الرئيس بافل جلال طالباني في بغداد أن المقبولية السياسية لا تأتي بالصدفة، بل تُصنع عبر رؤية واضحة، وإدارة هادئة، وقدرة على جمع الأطراف تحت مظلة واحدة. أما الترحيب الذي لقيه على أعلى المستويات، فلم يكن إلا انعكاسًا لمكانته، ولموقع الاتحاد الوطني الذي يعود اليوم كلاعب أساسي في المشهد العراقي، في لحظة سياسية تتطلب قيادةً رصينة تُعيد ترتيب العلاقات وتفتح الطريق أمام استقرارٍ أوسع للإقليم والعراق على حد سواء.

