المسرى .. خاص
من داخل إحدى مدارس مدينة كويسنجق، حيث يلتقي التعليم بالحرفة، استطاع المدرّس (آرام بهرام قادر ) أن يحوّل شغفه القديم بالنجارة إلى تجربة فنية متكاملة، تجمع بين التراث، والإبداع، والاعتماد على العمل اليدوي، في محاولة لإحياء الصناعات التقليدية وجعلها مصدر جذب ثقافي وسياحي للمدينة.
آرام بهرام قادر، وهو مدرس في مدرسة “أختر” الابتدائية للبنات ويقيم في مدينة كويسنجق، تعود بداياته في مهنة النجارة إلى قسم المهن الصناعية في المدرسة التي يعمل فيها حتى اليوم، فمنذ سنوات طويلة، رافقته هذه الحرفة اليدوية وأصبحت جزءا من برنامج حياته اليومي، إلى أن قرر احترافها والتعمّق في تفاصيلها الدقيقة.

ويؤكد آرام أثناء حديثه للمسرى أن جميع القطع التي تحيط به من صنع يديه، وهي تتنوع بين مجسمات فنية للحيوانات وأدوات تُستخدم في الحياة اليومية، مثل الأواني والصحون والمطاحن اليدوية.
ويشير إلى أن صناعة مجسمات الحيوانات، كالجمل الذي يرمز إلى البيئة الصحراوية أو الحصان المعروف بجماله وقوته، تحتاج إلى دقة عالية ومهارة يدوية متراكمة، حتى تخرج القطعة بالشكل الجمالي المطلوب.
كما يعرض قادر مطحنة يدوية صغيرة مصنوعة من الحجر، تُستخدم غالبًا لطحن القهوة، في مزيج يجمع بين التراث والمنفعة.
وفيما يتعلق بالمواد الأولية، يعتمد آرام بشكل أساسي على الأخشاب الطبيعية، مثل خشب الجوز والمشمش والبلوط، لما تتمتع به من متانة وطول عمر وصعوبة الكسر، كما يستخدم أخشاب شجرة الكاليبتوس الجافة، التي تتحول بعد جفافها إلى خشب صلب لا يتشقق، يُصنَع منها العديد من الأدوات المخصصة للزينة أو الاستعمال اليومي.
ولا تقتصر أعماله على الأخشاب الطبيعية فقط، بل تشمل أيضًا أخشابا مصنّعة في المعامل، مثل خشب ” MDF ” ، إلى جانب أخشاب رقيقة تُستخدم في الأعمال الزخرفية، كالمرايا المعلقة على الجدران المصنوعة من خشب المعاكس.
ويضيف أن ورشته تستقبل طلبات خاصة من الزبائن، حيث تُصنَع القطع وفق الرغبة والحاجة أحيانا .
كما يستخدم آرام الخشب الفنلندي الناعم في صناعة الملاعق والشوك الخشبية الخاصة بإعداد الطعام والقلي، موضحا أن هذا النوع من الخشب مناسب للاستعمال الغذائي لأنه لا يُفرز شظايا ولا يتفتت عند تعرضه للرطوبة، مما يجعله آمنا وصحيًا، إضافة إلى ذلك، يُستخدم خشب الجوز في صناعة أوانٍ خاصة لتقديم المكسرات أو للزينة المنزلية.
وإلى جانب النجارة، شارك آرام في أعمال فنية أخرى، منها تزيين جرار مصنوعة في قسم السيراميك من الطين الاصطناعي، حيث أُضفيت عليها لمسات من الزخرفة التراثية الكوردية، أو غُطيت بالأقمشة ذات التصاميم التقليدية، لا سيما الجرار الكبيرة المخصصة لجمع وحفظ مياه الشرب، في أعمال تتطلب دقة عالية وحسا فنيا واضحا.
وفي ظل الواقع الاقتصادي لمدينة كويسنجق، التي يصفها آرام بأنها مدينة تفتقر إلى الإيرادات وتعتمد في الغالب على الوظائف الحكومية، برزت لديه فكرة افتتاح محل خاص لصناعة وبيع هذه الأدوات التراثية، بهدف تنشيط الحركة السياحية وتوفير مصدر دخل قائم على الحرفة المحلية.
تمثل تجربة آرام بهرام قادر نموذجًا لفنان وحِرَفي استطاع أن يحافظ على التراث عبر العمل اليدوي، وأن يحوّل الخشب والطين إلى لغة جمالية تحكي قصة المكان والإنسان. وبين التعليم والحرفة، يواصل هذا المدرّس مسيرته في صناعة الجمال، آملًا أن تجد هذه الصناعات التقليدية مكانها المستحق في المشهد الثقافي والسياحي لمدينة كويسنجق.


