د. طارق جوهر سارمەمي
ما يجري اليوم بحق الكورد في سوريا والمنطقة لا يمكن قراءته بوصفه نهاية مسار، بل حلقة جديدة في سلسلة طويلة من تغييب العدالة وازدواجية المعايير التي تحكم النظام الدولي تجاه الشعوب المناضلة. ففي عالمٍ تُقدَّم فيه المصالح على القيم، ويُغضّ فيه الطرف عن حقوق المكونات الأصيلة، يجد الشعب الكوردي نفسه مرة أخرى في مواجهة سياسات الإقصاء والإنكار.
لقد أثبت الكورد، خلال السنوات الماضية، أنهم ليسوا مجرد ضحية لصراعات الآخرين، بل قوة فاعلة في حماية الاستقرار ومواجهة الإرهاب. فقد وقف شباب وشابات الكورد، بثباتٍ يشبه صلابة جبال قنديل، في الصفوف الأمامية لمحاربة التنظيمات المتطرفة، وأسهموا في حماية التعايش السلمي بين مختلف المكونات القومية والدينية، مقدمين نموذجًا متقدمًا في الإدارة المشتركة والدفاع عن القيم الإنسانية.
إن أي اتفاق سياسي أو مرسوم يصدر اليوم في سوريا، ما لم يعترف صراحةً بالحقوق القومية المشروعة للكورد بوصفهم مكوّنًا تاريخيًا أصيلًا في البلاد ولم بدرجة في الدستور الدائم السوري، سيبقى اتفاقًا هشًا، قابلًا للانفجار، وفاقدًا للشرعية الوطنية. فالمشكلة لا تكمن في النصوص بحد ذاتها، بل في العقلية التي تُدار بها الدولة، وفي الارتهان لإملاءات خارجية تُفرض على السلطة في دمشق ضمن صفقات إقليمية ودولية لا تأخذ مصالح الشعوب بعين الاعتبار.
ورغم كل ذلك، فإن النضال الكوردي لم يكن يومًا فعلًا انفعاليًا أو مشروعًا عسكريًا صرفًا، بل مسارًا سياسيًا طويل النفس، يتجدد وفق التحولات، ويعتمد على العمل الحضاري والديمقراطي، وبناء التحالفات، وتعزيز الحضور السياسي والإعلامي في الإقليم والعالم. وفي هذه المرحلة الحساسة، تبدو الحاجة ملحّة إلى توحيد الصف الكوردي، واستخلاص الدروس من التجارب السابقة، وإعادة تنظيم العلاقة مع المحيطين الإقليمي والدولي، بما يخدم الأهداف القومية العادلة ويمنع تكرار سيناريوهات الإقصاء.
إن الكورد، وهم يواجهون تحديات اليوم، يدركون أن الطريق ما زال طويلًا، لكنهم في الوقت نفسه يعلمون أن إرادة الشعوب لا تُكسر بالمرسومات، ولا تُلغى بالاتفاقات المفروضة. فالنضال مستمر، والحقوق لا تسقط بالتقادم، وما لم تُبنَ سوريا على أساس الشراكة الحقيقية والاعتراف المتبادل، فإن الاستقرار سيبقى هشًا، وستظل جذور الأزمة قائمة.

