عباس عبدالرزاق
لم تعد الحرب النووية سؤالًا أخلاقيًا أو احتمالًا نظريًا، بل أصبحت مسألة توقيت وخطأ تقني.
في عالمٍ تُختصر فيه دقائق القرار إلى ثوانٍ، وتُدار فيه أعصاب الدول العظمى عبر شاشات إنذار مبكر، يكفي إشعار خاطئ أو قراءة ناقصة ليبدأ عدٌّ تنازلي لا يمكن إيقافه. الصراع الأمريكي–الصيني اليوم لا يُدار على حافة الحرب فحسب، بل على حافة سوء التقدير، حيث يتحوّل الردع من أداة لمنع الكارثة إلى عامل يقرّبها خطوة إضافية
لم يعد الصراع بين الولايات المتحدة والصين مجرّد تنافس بين قوتين عظميين، بل تحوّل إلى مواجهة استراتيجية مفتوحة تُدار على حافة الخطأ القاتل. فالتقرير الأخير لوزارة الدفاع الأمريكية لا يقرأ فقط بوصفه وثيقة تقييم عسكري، بل كإعلان غير مباشر عن دخول النظام الدولي مرحلة أكثر هشاشة، حيث باتت الحسابات النووية جزءًا من السياسة اليومية، لا استثناءً طارئًا.
امتلاك الصين نحو ستمائة رأس نووي عملياتي، مع مسار تصاعدي قد يتجاوز الألف رأس قبل نهاية العقد، لا يشكّل بحد ذاته تهديدًا غير مسبوق في تاريخ الردع. الخطر الحقيقي يكمن في العقيدة التي ترافق هذا التوسع: بناء نظام إنذار مبكر، وتسريع قدرات الضربة المضادة، وتقليص زمن القرار إلى دقائق معدودة. هذا ليس ردعًا كلاسيكيًا، بل وصفة جاهزة لسوء التقدير، حيث قد يتحوّل إنذار خاطئ أو قراءة ناقصة إلى قرار لا رجعة عنه.
في المقابل، لا يمكن فصل هذا المسار عن السياسات الأمريكية نفسها. فواشنطن، التي تؤكد أن استراتيجيتها لا تهدف إلى خنق الصين، تمارس عمليًا سياسة تطويق عسكري ممنهج في المحيطين الهندي والهادئ، عبر تحالفات، وانتشار عسكري متقدم، وصفقات تسليح ضخمة، وفي مقدمتها تسليح تايوان. إن الإصرار الأمريكي على الفصل بين “الردع” و”الاستفزاز” لم يعد مقنعًا، لأن الوقائع على الأرض تقول إن الردع من طرف واحد يُقرأ بالضرورة كتهديد من الطرف الآخر.
ملف تايوان يمثّل جوهر هذا التناقض. فصفقة الأسلحة الأخيرة، التي تجاوزت قيمتها 11 مليار دولار، لا يمكن تفسيرها بوصفها خطوة دفاعية محضة، بل كرسالة سياسية وعسكرية مباشرة إلى بكين. تجاهل الولايات المتحدة لحساسية هذا الملف، رغم إدراكها أنه خط أحمر صيني، يعني عمليًا دفع الصراع نحو نقطة اختبار خطيرة، قد لا تملك أي من العاصمتين السيطرة على مسارها إذا ما انفجرت.
أما الصين، ورغم خطابها الذي يرفض الهيمنة ويدعو إلى الاستقرار، فهي ليست بريئة من منطق استعراض القوة. فالتوسع السريع في القدرات النووية والبحرية، ونشر مئات الصوامع الصاروخية، وبناء أكبر أسطول بحري في العالم، كلها خطوات تتجاوز منطق الدفاع البحت، وتؤسس لواقع جديد تسعى فيه بكين إلى إعادة صياغة موازين القوة الإقليمية، وربما الدولية، وفق تصورها الخاص.
هنا تكمن المعضلة الأساسية: الطرفان يعلنان رفض الحرب، لكنهما يتصرفان كما لو أن الصدام مسألة توقيت لا مبدأ. ومع تقلّص هوامش الخطأ، وازدياد الاعتماد على أنظمة الإنذار والرد السريع، تصبح الأزمات الصغيرة قابلة للتحول إلى مواجهات كبرى، ليس بسبب قرار سياسي واعٍ، بل نتيجة سلسلة من الحسابات الخاطئة.
إن أخطر ما في هذا المشهد ليس احتمال الحرب المتعمدة، بل احتمال الحرب غير المقصودة. فالتاريخ يُظهر أن الكوارث الكبرى غالبًا ما تبدأ من ثقة مفرطة بالردع، لا من نوايا عدوانية معلنة. وإذا استمرت واشنطن وبكين في إدارة الصراع بمنطق اختبار الخطوط الحمراء بدل تثبيتها، فإن العالم قد يجد نفسه أمام أزمة تتجاوز قدرة أي طرف على احتوائها.
الاستقرار في آسيا، بل وفي النظام الدولي ككل، لن يتحقق عبر مزيد من الصواريخ أو حاملات الطائرات، بل عبر إعادة تعريف الردع بوصفه أداة لمنع الحرب لا للاقتراب منها. من دون ذلك، سيبقى الصراع الأمريكي–الصيني لعبة خطرة تُدار فوق فوهة بركان، حيث يكفي خطأ واحد، أو قرار متسرّع، لفتح باب لا يمكن إغلاقه.