د.اسماعيل نجم الدين زنگنه
دولة سوريا، هي من الدول التي تعرف بتنوعها الحضاري والثقافي، حيث تعايشت على أرضها مكونات عرقية ودينية ولغوية متعددة شكّلت معاً الهوية السورية الغنية. إلا أن فرض هوية عربية حصرية على الدولة السورية في العهود السابقة و البائدة، والتمسك بها في زمن سورية الجديدة (كما يدعون) يحمل تداعيات خطيرة تهدد وحدة المجتمع و الدولة ومستقبلهما. لأن تحديد الهوية العربية في تسمية الدولة تفشي في منطوقها و فحواها، تداعيات سلبية خطيرة ، من ابرزها :
إقصاء المكونات الأصيلة:
ان تحديد الهوية العربية كهوية وحيدة للدولة يعني إقصاء مكونات أصيلة عاشت على هذه الأرض منذ قرون، كالكورد والسريان والآشوريين والأرمن وغيرهم. هذا الإقصاء لا يمثل ظلماً تاريخياً فحسب، بل ينفي واقعاً ديموغرافياً وثقافياً لا يمكن تجاهله.
تأجيج الصراعات الهوياتية:
عندما تختزل الدولة في هوية واحدة، فإنها تدفع المكونات الأخرى للبحث عن هويات بديلة أو مغايرة. نتيجة شعورها بالتهميش، اذ ان هذا الشعور بالتهميش سوف يغذي النزعات الوجودية و التمايزية ويخلق بيئة خصبة للصراعات الداخلية التي شهدتها سوريا في العقد الأخير.
تراجع الثقافة الوطنية المتعددة:
التنوع الثقافي واللغوي ثروة وطنية يجب الحفاظ عليها. فرض هوية أحادية و وحيدة يعني قمع اللغات والثقافات المحلية، مما يفقر المشهد الثقافي السوري ويحرم الأجيال القادمة من إرث حضاري غني. لأن فرض الهوية الواحدة بطريقة أو بأخرى هو فرض لثقافة و لغة و .. واحدة.
انتهاك مبدأ المواطنة:
الدولة الحديثة تقوم على مبدأ المواطنة المتساوية، لا على الانتماء العرقي أو القومي. ربط هوية الدولة بقومية محددة يخلق مواطنين من درجات مختلفة، حيث يشعر غير العرب بأنهم ضيوف في وطنهم. أو مواطنين من الدرجات المتدنية.
ضعف الاستقرار السياسي:
الدول التي تبنت هويات إقصائية عانت تاريخياً من عدم الاستقرار والانقسامات. التجارب الإقليمية والعالمية تثبت أن الدول الأكثر استقراراً هي تلك التي تحترم تنوعها وتبني هوية وطنية جامعة.
لأجل التغلب على كل النقاط و المظاهر السلبية التي يخلقها تبني الهوية الواحدة للدولة، لابد من بناء هوية سورية جامعة تحترم التنوع وتعترف بجميع المكونات كشركاء متساوين في الوطن. دولة المواطنة التي تضمن الحقوق الثقافية واللغوية للجميع، وتبني وحدتها على أساس الانتماء الجغرافي والمصير المشترك.
كما إن مستقبل سوريا يكمن في احتضان تنوعها لا في إنكاره، وفي بناء دولة لجميع السوريين دون تمييز أو إقصاء، و كل هذه التصورات لايمكن ترجمتها عن طريق الخطابات السياسية الموجهة للخارج أو الداخل و لا تؤسس عن طريق مراسيم انفرادية ترسم حقوق صورية للمواطنين، بل تقر و تؤسس عن طريق كتابة دستور يرسم الدولة بأطر و تطلعات جديدة، من خلال تبني الديمقراطية في الحكم، واقرار الحقوق الاساسية و السياسية للمواطنين السوريين باختلاف انتمائاتهم الدينية و العرقية و الثقافية و الطائفية..


