قرار الدفاع الذي فرض الحوار:
كيف أجبر #مظلوم عبدي دمشق على التراجع؟
د.طارق جوهر
شكّل قرار القائد مظلوم عبدي بالدفاع الحازم عن المناطق الكوردية نقطة تحوّل مفصلية في مسار المواجهة مع دمشق، إذ لم يكن مجرّد ردٍّ عسكري ظرفي، بل خيارًا استراتيجيًا مدروسًا أعاد رسم ميزان القوى على الأرض. فقد ترافق هذا القرار مع تضامن شعبي واسع من جماهير كوردستان في أجزائها المختلفة، ما وفّر غطاءً وطنيًا ومعنويًا قويًا للموقف الكوردي، ورسّخ صورة المعركة بوصفها دفاعًا عن الوجود والحقوق، لا مجرّد اشتباك محلي محدود.
في الميدان، أسهمت المقاومة البطولية التي أبدتها قوات سوريا الديمقراطية والقوى المحلية في إفشال رهانات دمشق على الحسم السريع، وأظهرت أن أي محاولة لفرض الأمر الواقع بالقوة ستُواجَه بكلفة سياسية وعسكرية عالية. هذا الصمود الميداني، مقرونًا بالضغط المعنوي والسياسي الناتج عن وحدة الموقف الكوردي، أجبر السلطة في دمشق على إعادة حساباتها والقبول بمقترح وقف القتال برعاية أمريكية.
ولا يقتصر هذا التطور على كونه هدنة عسكرية مؤقتة، بل يمثّل بداية مرحلة سياسية جديدة، قوامها الانتقال من منطق الإكراه العسكري إلى منطق التفاوض المشروط. فقد ترافق وقف القتال مع تعهّد واضح بعدم دخول القوات الحكومية إلى المناطق الكوردية في الحسكة وقامشلو، وهو تعهّد يعكس، ولو ضمنيًا، اعترافًا بخصوصية هذه المناطق وباستحالة إخضاعها بالقوة.
وعليه، يمكن القول إن هذا المسار لم يكن نتيجة ضغوط دولية فقط، بل ثمرة مباشرة لتلاقي ثلاثة عوامل حاسمة: قرار سياسي شجاع من القيادة الكوردية، وتضامن شعبي عابر للحدود الكوردستانية، ومقاومة ميدانية فعّالة فرضت وقائع جديدة على الأرض. وهي عوامل فتحت الباب أمام معادلة تفاوضية مختلفة، يكون فيها للكورد موقع الطرف الذي يُحسَب له حساب، لا مجرّد ملف أمني قابل للتصفية بالقوة.

