رئيس الجمهورية؛ موقع دستوري مهم بين السلطة البروتوكولية والسلطة التنفيذية
كتابة : الدكتور إسماعيل نجم الدين زەنگەنە
ترجمة: نرمين عثمان محمد / عن صحيفة كوردستاني نوى
رئيس الجمهورية في النظام البرلماني يتمتع بمكانة دستورية خاصة ذات أهمية رمزية، إلا أن صلاحياته من الناحية الإدارية تكون بوجه عام محدودة، وقد تحدد هذا الموقع في العراق بموجب دستور عام 2005، وهو يلتقي في خصائصه مع الأنظمة البرلمانية في العالم، مع التأكيد على أن أي نظام برلماني لا يُعد نسخة مطابقة تماماً لغيره، بل تختلف التفاصيل والآليات من دولة إلى أخرى.
سنحاول في هذه المقالة فهم الموقع الدستوري لرئيس الجمهورية في النظام السياسي والحكم في العراق، وذلك عبر توضيح مفهوم السلطة البروتوكولية أولاً، ثم تحليل صلاحيات رئيس الجمهورية العراقي وبيان طبيعتهابدقة.
أولاً: ما هي السلطة البروتوكولية؟
السلطة البروتوكولية أو التشريفية عبارة عن سلطة ذات طابع رمزي وتمثيلي للدولة في الأساس ، لا تملك في جوهرها صلاحيات اتخاذ القرارات التنفيذية المباشرة، وصاحب هذا النوع من السلطة يؤدي دوراً رسمياً وتشريفياً في إدارة المراسم والبروتوكولات الرسمية للدولة، مثل استقبال الوفود والمبعوثين والممثلين الدوليين، وتمثيل الدولة في المناسبات الدولية، والحفاظ على الرموز الوطنية.
وقد سُمّيت “بروتوكولية”، لأن أعمالها محصورة ضمن الإطار الشكلي والإجرائي والطقوسي للدولة، لا في مجال رسم السياسات العامة للدولة أو إصدار القرارات السياسية والإدارية ،كما أن هذه الصلاحيات غالباً ما تكون مشروطة بموافقة أو توقيع سلطات أخرى في الدولة ، أي إن رئيس الجمهورية لا يتمتع باستقلال كامل في رسم هذه السياسات والأعمال وتنفيذها.
ويقابل السلطات البروتوكولية ما يُسمى بالسلطات التنفيذية أو الفعلية، وهي السلطات التي تخوّل صاحبها اتخاذ قرارات مباشرة، ووضع السياسات، وإصدار الأوامر والتعليمات وتنفيذها دون الحاجة إلى التصديق أو الموافقة من جهاتٍ أخرى، ومن الأمثلةعلى هذه السلطة رئيس الولايات المتحدة الذي يجمع بين رئاسة الدولة ورئاسة الحكومة، أو رئيس وزراء بريطانيا الذي يملك السلطة التنفيذية المباشرة في إدارة شؤون الدولة.
ثانياً: موقع رئيس الجمهورية وعلاقته بالنظام البرلماني
يقوم النظام البرلماني على ركيزتين أساسيتين:
ازدواجية السلطة التنفيذية، والفصل المرن بين السلطتين التشريعية والتنفيذية.
فالركيزة الأولى تقوم على التمييز بين رئيس الدولة ورئيس الحكومة، ففي هذا النظام يكون رئيس الدولة سواء كان رئيس جمهورية أم ملكاً ذا صلاحيات رمزية وبروتوكولية، في حين يتولى رئيس الوزراء السلطة التنفيذية الفعلية وإدارة شؤون الدولة اليومية.
وفي هذا النظام تنبثق الحكومة من البرلمان وتكون مسؤولة أمامه،أي إن البرلمان يملك حق سحب الثقة منها وإسقاطها، ولذلك فإن رئيس الوزراء ومجلس الوزراء يحتاجون إلى ثقة الأغلبية البرلمانية ويتحملون المسؤولية السياسية عن تنفيذ السياسات العامة للحكومة ، وهذا يختلف في النظام الرئاسي الذي يجمع فيه رئيس الجمهورية بين رئاسة الدولة ورئاسة الحكومة معاً.
ثالثاً: صلاحيات رئيس جمهورية العراق: بروتوكولية أم تنفيذية؟
بحسب الدستور العراقي، يمتلك رئيس الجمهورية مجموعة من الصلاحيات، و الغالبية العظمى منها تندرج ضمن إطار الصلاحيات البروتوكولية، ويمكن تقسيمها إلى صنفينِ رئيسيين:
1.الصلاحيات الرمزية والتشريفية
تمثيل وحدة وسيادة العراق:
يُعدّ رئيس الجمهورية رمزاً للوحدة الوطنية وسيادة الدولة، وهذا يعني بأنه يمثل جميع العراقيين في المناسبات الرسمية دون تمييز ديني أو قومي أو إقليمي، وهو دور رمزي لا يترتب عليه أي تأثير سياسي مباشر، لكنه مهم من الناحية المعنوية والمجتمعية (المادة 67من الدستور).
اعتماد الممثلين الدبلوماسيين في العراق:
عندما يزورالعراق رئيس دولةٍ أجنبيةِ أو ممثيلة إحدى الدول الأجنبية فإنَ رئيس الجمهورية يستقبلهم بتكريم رسمي ،وهذا عمل بروتوكولي تماماً وليست لها علاقةً بالسياسات الخارجية ولاتؤثر عليها ،لأن السياسة الخارجية تدار من قبل وزارة الخارجية ورئيس الوزراء ،, وكذلك يستقبل سفراء أو دبلوماسيي الدول الأخرى قبل البدء بأعمالهم في مناسبة رسمية (الفقرة 6/المادة 73من الدستور)
*منح الهدايا والتكريمات :
يمتلك رئيس الجمهورية صلاحية منح الأوسمة والنياشين والتكريمات الرسمية التي تمنحها الدولة للمتفوقين في مختلف المجالات، وهو إجراء تشريفي تماماً لا يملك أثراًسياسياً أو تنفيذياً مباشراً (المادة 73من الدستور /الفقرة الخامسة).
حماية الدستور:
يُعدّ رئيس الجمهورية حامياً للدستور رسمياً ، وهذا أمرٌ رمزيُ ويعني أنه ملزم باحترامه للدستور في كافةِ أعمالِهِ وأن يصبَحَ رَمزاَ لإحترام قيمه، دون أن يمتلك سلطة معاقبة من ينتهكه، إذ تعود هذه المهمة إلى المحكمة الاتحادية العليا والسلطة القضائية على الرغم من أنَ الدستور بإعتبارها جهةً رسميةً أعطى الرئيس صلاحية أن يوقف الإنتهاكات الدستورية عن طريق تقديم الدعاوى وطلب إستئنافها الى المحكمة الإتحادية العليا حتى ولو كانت بصورةٍغير مباشرة (المادة67من الدستور).
2. الصلاحيات المقيدة (الخاضعة لقرارات جهات أخرى)
تكليف مرشح رئاسة الوزراء بتشكيل الحكومة:
بعد كل دورة انتخابات، يكلّف رئيس الجمهورية مرشح الكتلة النيابية الأكبر بتشكيل مجلس الوزراء (المادة 76/الفقرة ألأولى ) ، دون أن تكون له حرية اختيار شخصية أخرى، مما يجعل هذا الدور إجرائياً لا سياسياً.
* المصادقة على القوانين:
يوقّع القوانين التي يقرّها مجلس النواب لإصدارها، من دون أن يمتلك حق النقض (الفيتو)، كما أكدت المحكمة الاتحادية العليا (المادة 73/الفقرة الرابعة ) وقد كانت هذه المادة موضعاً لتعدد آراء خبراء الدستور ولكن المحكمة الإتحادية العليا أستطاعت حسم هذه المادة بقرارها بأن لايكون لرئيس الدولة الحق في الرفض العام للقوانين وتجزئتها .
إصدار مراسيم تعيين القضاة الأعضاء في المحكمة الاتحادية العليا: بحسب التنسيق الدستوري وبأغلبية 3/2يختار مجلس الوزراء أعضاء المحكمة الإتحادية العليا وبعدها يصدر رئيس الجمهورية مرسوم تعينهم وهنا لايكون لرئيس الجمهورية أي دورِ في إختيار الأعضاء وهو ينفذ قرار مجلس الوزراء بصورة رسمية فقط وهذه ليست سلطة مطلقة تماما ، و بحسب التنسيق القانوني الوارد في القانون رقم (25) لسنة 2021 وتعديله أيضاً ينحصر واجب رئيس الجمهوريةِ في إصدار مرسومِ جمهوريٍ لتعيين القضاة المرشحين من قبل المجلس القضائي .
*تعيين المحافظين والسفراء وكبار القادة العسكريين:
تُتخذ قرارات التعيين من قبل الحكومة ومجلس النواب، ويقتصر دور رئيس الجمهورية على إصدار المرسوم الجمهوري.
*العفو الخاص:
يمارسه بناءً على اقتراح رئيس مجلس الوزراء، أي أنه مقيد وليس مطلقاً (المادة 73/الفقرة الأولى).
*إعلان حالة الطوارئ:
وهو يتم بطلب مشترك من رئيس الجمهورية ورئيس الوزراء وموافقة مجلس النواب، بينما تتولى الحكومة صلاحيات الإدارة الفعلية (المادة 61/تاسعاً/أ).
3. الصلاحيات ذات الطابع التنفيذي المحدود
*اقتراح مشاريع القوانين:
يملك رئيس الجمهورية مع مجلس الوزراء، حق تقديم مشاريع القوانين إلى مجلس النواب (المادة 60/الفقرة الأولى )، إلا أن هذه الصلاحية مقيدة بتوازنات دستورية وسياسية.
*طلب سحب الثقة من رئيس مجلس الوزراء:
نصّ الدستور على هذا الحق (المادة 61/ثامناً/ب/1)، لكنه في الواقع العملي ضعيف التأثير بسبب طبيعة التوافقات السياسية والكتل البرلمانية.
*إصدار المراسيم الجمهورية:
يمتلك صلاحية إصدار المراسيم، لكنها في الغالب ذات طابع تصديقي وتنفيذي لقرارات صادرة عن سلطات أخرى، وليست تعبيراً عن سلطة حكم مستقلة (المادة 73/الفقرة السابعة) وهذه الصلاحية ليست مشابهة لتلك التي منحت لمجلس الوزراء(المادة 80/ الفقرة الثالثة)
رابعاً: الخلاصة التحليلية
يتضح من استعراض صلاحيات رئيس الجمهورية أن معظمها ليس تنفيذيّاً مستقلاً، بل إما رمزي وتشريفي، أو مقيد بقرارات البرلمان والحكومة، أو محدود الأثر التنفيذي. فالرئيس لا يضع السياسات، ولا يدير الحكومة، ولا يتخذ قرارات سيادية منفردة، بل يضطلع أساساً بدور الإقرار والتصديق والتمثيل.
وهذا يعكس جوهر النظام البرلماني القائم على الفصل بين:
• رئيس الدولة: صاحب الدور التشريفي والتمثيلي.
• رئيس الحكومة: صاحب السلطة التنفيذية الفعلية.
وفي العراق، تتركز سلطة الحكم والإدارة اليومية بيد رئيس مجلس الوزراء ومجلسه، المسؤولين عن تنفيذ السياسات العامة والإشراف على الوزارات.
ومع ذلك، تبقى مكانة رئيس الجمهورية دستورياً ذات أهمية عالية، بوصفه رمز وحدة الدولة، وحامي الدستور، وممثل السيادة العراقية في المحافل الدولية، وصمام أمان معنوي وسياسي للاستقرار الدستوري والالتزام بمبادئ الحكم الديمقراطي.

