سوران علي
منذ اللحظة التي وطأت فيها قدما دونالد ترمب عتبة البيت الأبيض، أدرك العالم أن القواعد القديمة قد وُضعت على الرف. لم يعد البيت الأبيض ذلك الحصن الذي تُصاغ فيه الكلمات بميزان من ذهب، بل تحول إلى مسرح لظاهرة سياسية عاصفة عُرفت بـ “الترمبية”؛ وهي مزيج من تحطيم السائد، والجرأة التي تصل حد الصدمة، والخروج الدائم عن النص لفرض السيطرة وصناعة الحدث.
ترمب لم يأتِ ليدير الإدارة الأمريكية فحسب، بل جاء ليغير ملامحها. فهو لا يكتفي بكونه رئيسا، بل يريد أن يكون “المخرج” واللاعب الوحيد في المشهد، عبر ظهور إعلامي كثيف يكاد لا ينقطع، محولا السياسة من أروقة الدبلوماسية الهادئة إلى صخب “تلفزيون الواقع”.
في جبهة الإعلام: حرب بلا هوادة لم تكن علاقة ترمب بالصحافة يوما مجرد خلاف في وجهات النظر، بل كانت حربا وجودية. لقد كسر هذا الرجل هيبة المؤسسات الإعلامية الكبرى، واصفا إياها بـ “أعداء الشعب”. ولم يتوقف الأمر عند التراشق السياسي، بل وصل إلى إهانات شخصية فجة؛ فمن منا ينسى نبرته المتعالية وهو يصف مراسلين بـ “الأغبياء” أو “الخنازير”؟
تجاوز ترمب كل الخطوط الحمراء حين حوّل البيت الأبيض إلى منطقة محظورة على منتقديه، وهو ما رأيناه بوضوح في عام 2025 حين امتدت مضايقاته لتشمل أروقة البنتاغون، والتهديد العلني بسحب تراخيص الشبكات التي لا تعزف على أوتاره.
الدبلوماسية الخشنة: تعامل ترمب مع زعماء العالم بعقلية “المفاوض الشرس” الذي يسعى لكسر ثقة الخصم قبل بدء الحوار. مصافحاته العنيفة التي يشد فيها يد الطرف الآخر لم تكن مجرد حركة عفوية، بل كانت “عرض قوة” مدروسا. حتى الحلفاء لم يسلموا من فجاجته؛ فمن تجاهل مصافحة ميركل إلى “التربيت” المثير للجدل على ظهر الملك تشارلز الثالث في 2025، كان ترمب يبعث برسالة واحدة: “أنا هنا، والقواعد لا تنطبق علي”.
ولعل أغرب تجليات هذه العقلية هي رغبته “العقارية” في شراء جزيرة غرينلاند، وكأنه يشتري ناطحة سحاب في مانهاتن. وحين اصطدم بالرفض الدنماركي، لم يلجأ للدبلوماسية، بل استخدم سلاح الرسوم الجمركية العقابية، محولا الخلاف السياسي إلى “تصفية حسابات” تجارية.
الأنا المتضخمة وفلسفة الإذلال: يرى المحللون النفسيون أن ما يحرك ترمب هو “نرجسية فائقة” تجعل “الأنا” هي محور كل إنجاز. هو لا يبحث عن الانتصار السياسي التقليدي، بل يجد لذة في إذلال خصومه علانية عبر إطلاق ألقاب ساخرة مثل “جو النعسان” أو “هيلاري الملتوية”. هذه الطريقة لم تكن مجرد تنمر، بل استراتيجية لتقزيم الخصم وتحويل النقاش من السياسة إلى “الشخصنة”.
حتى أسرار الدولة لم تكن محصنة ضد غرابة أطواره؛ فبين تمزيق الوثائق الرسمية ومحاولة التخلص منها بطرق بدائية، وبين نشر صور أقمار صناعية سرية على منصة “إكس” لمجرد التباهي، أثبت ترمب أن هيبة الدولة تأتي في مرتبة ثانية بعد رغبته في إثبات وجهة نظره.
إن خروقات ترمب ليست “زلات لسان” أو سقطات بروتوكولية ناتجة عن جهل، بل هي جوهر مشروعه السياسي. لقد نجح في خلق بيئة تعتمد على “الصدمة”؛ حيث تصبح الفجاجة دليلا على القوة، ويصبح تحطيم الأعراف وسيلة للتواصل مع قواعد شعبية سئمت النفاق الدبلوماسي. اليوم، يقف زعماء العالم أمام ترمب بمزيج من الترقب والحذر والخوف، يدركون تماما أنهم أمام رجل لا يخطئ في التقدير، بل يرى في الفوضى أفضل وسيلة للقيادة وكسب النفوذ. بالنسبة لترمب، القواعد القديمة ماتت، وهو وحده من يملك حق كتابة القواعد الجديدة.


