ضفائر االاميرة خانزاد!
الكاتب :ئاريز عبدالله
ترجمة: نرمين عثمان محمد
لم تكن خانزاد مجرد أميرة اعتلت عرش إمارة “سوران”، بل كانت الإعصار الذي يقود الفيالق، والقائدة العامة التي لم تنحنِ لغير الحق. كانت آيةً في الحسن تسرُّ الناظرين، وهيبةً تزلزلُ المعتدين؛ فاجتمع فيها جمالُ الروح والملامح مع عنفوان الجبال، لتغدو رمزاً أزلياً للمرأة الحرة وبطلةً صاغت بحد سيفها ملاحم التحرير في أرجاء كردستان.
وفي عام 1639م، وخلال ملحمةٍ كبرى دارت رحاها بين أربيل وكركوك، سقطت الأميرة جريحةً في قبضة الجيوش الصفوية، لكن جراحها لم تكن إلا وساماً زادها شموخاً. فما سرُّ الظفيرتين اللتين خلدتهما الذاكرة؟
و جاءت في رواية خانزاد للكاتب مايلي:
مراسم الفداء
أومأت الأميرة بوقارٍ مَهيب إلى رفيقتها “دوتِمَلا”، فتقدمت الأخيرة بخطىً ثابتة، وحسرت عن رأسها ذلك الوشاح الأسود الشفاف؛ فانسدل شعر الأميرة كليلٍ ساجٍ يفيضُ كبرياءً. أطرق الحاضرون رؤوسهم إجلالاً، وتفادوا النظر لكي لا ينتهكوا حرمة رأسها المكشوف في تلك اللحظة المقدسة.
وفجأة، استلّت “دوتِمَلا” خنجرها “الدبّان” من حقيبتها المنسوجة يدويا ، وفي ومضةٍ خاطفة كبرق الحجاز، جَزّت ظفيرتي الأميرة الغليظتين من عند شحمتي الأذنين، ووضعتهما في كفّ “خانزاد”. وقبل أن تنطق الأميرة بكلمة، مالت “دوتِمَلا” برأسها لتقوم رفيقةٌ أخرى بجز شعرها أيضاً، في ميثاق وفاءٍ لا يحلّه إلا الموت.
رفعت “خانزاد” ظفيرتيها عالياً أمام الحشود، وهتفت بصوتٍ هزَّ أركان المكان:
“أيها الناس..أمامكم وأمام التاريخ، أهبُ اليوم نفسي وجمالي وأنوثتي قرباناً لوطني. من هذه اللحظة، لستُ إلا محاربةً في صفوفكم، وأعاهدكم أن يبقى مجد آبائي وأجدادي شامخاً لا يُطال. ثقوا بأختكم؛ فإن وطننا بعناية الله ثم بسواعدكم الفولاذية سيغدو أقوى وأرحب، وستزدهر أسواقه بالرخاء، ولن نكون أبداً رعايا أذلاء، لا للروم ولا للعجم.. أبداً!”
“علينا أن نشيّد حصوننا وحدودنا بحيث لا يجرؤ عدوٌ على اختراقها. وها أنا أمام ناظريكم، أنثر إحدى ظفيرتيّ على ثرى الوطن، هديّةً تُبسط تحت أقدامكم، وأدّخر الأخرى للمواقع والملاحم القادمة
شخصت الأبصار وانحبست الأنفاس في الصدور وهم يشهدون هذا المشهد الجلل. بسطت الأميرة جزءاً من شعرها تحت أقدام شعبها، ثم سلمت الجزء الآخر لأحد كبار محاربيها وقالت له بلهجة الآمر:
“اذهب واغرسها لواءً في رُبى “ههرير” و “باتاس”!”
وفي لحظةٍ خاطفة، استعادت الأميرة هيبتها وقارها، فأشارت إلى رأسها المكشوف، لتهرع “دوتِمَلا” وتعيد تغطيته بالوشاح، معلنةً ميلاد ملحمة لن ينساها الجبال …..

