سوران علي
تستيقظ سوريا اليوم على مشهد يمزق نياط القلب؛ مشهدٌ لا يشبه في شيء تلك الأحلام التي رسمها السوريون في الميادين حين طالبوا بالحرية والكرامة. اليوم، نحن أمام كابوس متجدد، حيث لم تعد الرصاصة هي ما يقتل السوري فحسب، بل أصبحت “الإهانة” والشتيمة الممنهجة طعنةً في صميم النسيج الاجتماعي، لا سيما بحق المكون الكردي الذي وجد نفسه مجددا ضحية لآلة عسكرية لا تجيد سوى لغة السحق والقمع.
لم تعد الانتهاكات في شمال وشرق سوريا مجرد أرقام في تقارير المنظمات الدولية، بل تحولت إلى “وجع موثق” نراه ونسمعه. مئات المقاطع المصورة التي انتشرت مؤخرا كشفت وجها مرعبا لعناصر يرتدون زيّا عسكريا ويدّعون “التحرير”، وهم ينهالون بأحط الشتائم العرقية (كالكلاب والخنازير) على المدنيين الكرد.
هذه اللغة الصادمة ليست “هفوة” جندي متهور، بل هي قيحُ عقيدةٍ إقصائيةٍ تغلغلت في عقول مجموعات لا ترى في الوطن سوى غنيمة، ولا في الشريك سوى عدو. عندما يصور المقاتل نفسه وهو يهين مسنا أو يقتحم حرمة منزل كردي بلسان سليط، فهو لا يصور بطولته، بل يصور موته الأخلاقي وقطيعته النهائية مع مفهوم “المواطنة”.
هنا يبرز التناقض الصارخ الذي يثير السخرية والألم في آن واحد. يخرج “أحمد الشرع” (الجولاني) عبر منصاته بزيّ رسمي وخطاب منمق، يحاول فيه بيع “الوهم” للمجتمع الدولي وللسوريين عن دولة المؤسسات وحماية الأقليات. لكن، ما قيمة هذا الخطاب “الناعم” أمام صرخات النساء الكرديات اللواتي تُقتحم بيوتهن؟ وما وزن وعود “العدالة” أمام مقاطع بشعة لتمثيلٍ بالجثث ورميها من المباني بدم بارد والتنكيل حتى بقبور شهدائهم؟
إن ما ينسف ادعاءات “الشرع” وحلفائه ليس الخصوم السياسيين، بل هم عناصره أنفسهم الذين وثقوا بتباه كيف يتعاملون مع الكرد كـ “أرزاق مستباحة” وكفار يجب إذلالهم. هذا الانفصام الحاد بين “بروباغندا” القيادة و”وحشية” القاعدة يثبت أننا لسنا أمام مشروع دولة، بل أمام “فوضى منظمة” تستهدف كسر إرادة المكونات الأصيلة.
السؤال الذي يحرق قلوبنا جميعا: كيف سيتعايش الكرد مع من وصفوهم بـ “الخنازير والملحدين”؟ كيف يمكن بناء بلد يمتشق فيه السلاح أناسٌ لا يرون في جيرانهم شركاء في المصير؟
التعايش ليس قصيدة تُلقى في مؤتمر، بل هو “أمان” تشعر به حين تمر على حاجز عسكري. ولكن في سوريا، تحولت الحواجز إلى مقاصل للكرامة. المصالحة الوطنية تصبح “نكتة سمجة” ما دام الجرح ينزف وما دام “المهين” يتبوأ مناصب قيادية بدلا من أن يساق إلى العدالة.
إن ما يحدث ضد الكرد اليوم هو طعنة في صدر كل سوري حر. لا يمكن بناء “سوريا المستقبل” بحجارة الكراهية والتعالي العرقي. الحل لا يبدأ بالوعود السياسية الفارغة، بل بمحاسبة كل “وحش” ظهر في تلك المقاطع المهينة، وإعادة الاعتبار للإنسان الكردي كصاحب أرض وحق، وليس كضيفٍ ثقيل أو عدو مفترض.
بدون جيشٍ وطني حقيقي يرى في الكردي والعربي والسرياني والدورزي جسدا واحدا، سيبقى الوطن مجرد “ساحة لتصفية الحسابات”، وستبقى تلك القوات “جيش احتلال داخلي” يزرع بذور حقد قد لا تذبل لقرون.