الكاتب..برهان المفتي
لا جدال حين القول إن ملف البيئة في العراق بحاجة إلى مراجعة شاملة وبخاصة بعد أن صار العراق ضمن أكثر الدول المتأثرة بالتغيير المناخي، وبعد سنوات من الضرر، الذي أصاب البيئة العراقية بسبب قلة الوعي البيئي لدى الناس، وكذلك غياب سياسة موحدة يتبعها الجميع وتطبق على الجميع من مؤسسات رسمية والمجتمع، ذلك الضرر الذي يمتد تأثيره السلبي على المواطن العراقي في ارتفاع حرارة الصيف إلى مستويات أعلى بكثير من المعدلات المسجلة سابقاً، والجفاف وقلة الأمطار، أو فيضانات مدمرة بسبب هطول كميات كبيرة من المطر، خلال فترة زمنية قصيرة قد لا تتجاوز ساعات ولكن بمعدلات تسبب إرباك الخدمات بسبب ضعف البنية التحتية في تصريف تلك الكميات الكبيرة بسرعة، والعواصف الترابية المتكررة كل سنة.
لذلك، فإن وضع سياسة بيئية موحدة هي الآن ضرورة وطنية لتنظيم الفعاليات البيئية نحو تحقيق أهداف الإصلاح البيئي. غير أن نجاح تطبيق أي سياسة يعتمد على وعي المجتمع في معرفة نص وبنود تلك السياسة ومتطلباتها، لذلك تعتمد المؤسسات الدولية وضع سياساتها التشغيلية والإدارية في أماكن يقرأها الجميع، لكي تكون ملزمة عليهم جميعاً دون استثناء، وكذلك يجب أن تكون السياسة البيئية العراقية في حال إصدارها واضحة للجميع، يشاهدونها كل يوم في أماكن عملهم أو في مكاتبهم، في المدارس والكليات، وفي الفعاليات المجتمعية.غير أن بناء الوعي هو الخطوة الأولى نحو الإصلاح البيئي في العراق، وهي الخطوة الأصعب ولكنها ممكنة بوجود تعاون وتنسيق بين الأطراف التربوية والتعليمية والجهات البلدية والبيئية من خلال فعاليات مجتمعية مشتركة تزيل الحاجز النفسي بين المؤسسات والمجتمع وتجعل الجميع يعملون ضمن فريق واحد نحو أهداف مشتركة، وأن يكون هناك نظام لقياس الوعي قبل وبعد تلك الفعاليات لمعرفة فاعليتها ونتائجها، ومن المهم تشجيع الفعاليات التطوعية ونشر ثقافة الخدمة التطوعية البيئية في المجتمع، كأن تقوم بيوت في منطقة واحدة بحملة تنظيف موحدة كل شهر.
وبعد التاكد من بناء الوعي، يأتي دور السياسة البيئية الموحدة والتي تصدر من أعلى عنوان تنفيذي في ملف البيئة، لتحديد البنود الملزمة على الجميع لحماية وتحسين البيئة العراقية، ومن المهم أن يشعر الجميع بدورهم في تطبيق بنود تلك السياسة، فالمسؤولية البيئية مسؤولية مشتركة ومن مصلحة الجميع أن تحيط بهم بيئة صحية نظيفة.
ولجعل هذه السياسة واضحة للجميع، من المهم أن تلتزم الجهة التي تصدر السياسة بنشرها وإلزام المؤسسات الرسمية بوضع السياسة في واجهات مداخلها وفي مكاتب المدراء، وأن تقوم القنوات الرسمية بحملة نشر منهجية لشرح بنود السياسة البيئية الموحدة، وكذلك أن تلتزم الجهة المعنية التي تصدر السياسة بتسهيل الحصول على المعلومات البيئية بشفافية وتسهيل الموارد البحثية للباحثين البيئيين.
وبوجود السياسة البيئية الموحدة، تقوم المؤسسات بوضع استراتيجياتها الخاصة لتحقيق الأهداف البيئية التي تستهدفها تلك السياسة، وتختلف استراتيجية كل مؤسسة بحسب طبيعة عملها وحدود نشاطها، والأهداف يجب أن تكون قابلة للقياس ضمن فترة زمنية محددة وبوجود فريق تنفيذي متخصص ودعم مؤسساتي.
مثل هذه الأمور ليست ترفاً، كما أنها ليست سهلة ولكنها ليست مستحيلة التحقيق في حالة وجود إرادة بيئية ذات رؤية تأخذ في مداها الجوانب البيئية كلها في منظومة واحدة متكاملة وإطار مؤسساتي تنفيذي قابل للمراجعة والتقييم، لذلك، من المهم أن تقوم الجهة المعنية بالملف البيئي – وهي الجهة ذاتها التي تصدر السياسة البيئية الموحدة – باصدار التقرير البيئي الفصلي وجعل التقرير متاحاً للجميع عبر وسائل نشر متاحة، فالكل لهم دور في ذلك التقرير وبهذا يتشاركون الجهود مجتمعين، فالتقرير يمثل جهودهم، وجعله متاحاً للجميع فيه تقدير لتلك الجهود المشتركة التي تحمي البيئة العراقية.تأخرنا كثيراً عن الآخرين في ملف البيئة، ولكننا نستطيع تقليص الفجوة والمسافة بوجود تنسيق وخطة عمل منهجية تتبع سياسة موحدة مع اعطاء كل جهة خصوصيتها بحسب طبيعة عملها وحدودها الإدارية والتشغيلية، ومثل هذا التنسيق تنظمه السياسة البيئية والوعي البيئي المجتمعي، وأن يشعر الجميع بأنهم البيئة تعنيهم، تعني وجودهم ومستقبل أبنائهم وعوائلهم.
الصباح