كتبت / أماني محمود
منذ سقوط النظام عام 2003، برز الاتحاد الوطني الكوردستاني كأحد أعمدة التوازن السياسي في العراق، وصاحب الدور الأبرز في تقديم رؤساء الجمهورية وبناء صيغة تفاهم وطني تحفظ بنية الدولة العراقية. فمن رحم تجربة طويلة من النضال، استطاع الاتحاد أن يقدّم نموذجًا مسؤولًا في إدارة العلاقة مع بغداد، مستندًا إلى إرثٍ تاريخي صنعه مام جلال طالباني، الرجل الذي تحوّل إلى صمّام أمانٍ للعراق كلّه، لا لمكوّن معين فقط.

لقد لعب مام جلال دورًا وطنيًا استثنائيًا، لم يقتصر على تمثيل الكورد، بل تجاوز ذلك ليشكّل جسرًا حقيقيًا بين جميع الأطراف، محافظًا على وحدة العراق، وممسكًا بخيوط التوازن وسط أخطر أزمة عرفها البلد: صعود الإرهاب والتطرف. ففي فترة الانهيار الأمني، كان مام جلال حجر الزاوية الذي جمع القوى العراقية، وحشد الدعم الدولي، ووقف بحزم ضد الفكر المتطرف، مؤكدًا أن الدولة لا تُحمى إلا بالحوار، وأن مواجهة الإرهاب لا تكون إلا بوحدة الموقف.

هذا الإرث الوطني العميق شكّل أساس حضور الاتحاد الوطني في بغداد، ورسّخ دوره في عملية اختيار رؤساء الجمهورية، إذ بقي الاتحاد الجهة الأكثر قربًا وفهمًا لطبيعة المنصب، ولحاجات العراق السياسية والدستورية. ومنذ ذلك الحين، ظلّت بصمته واضحة في كل عملية اختيار رئاسي، مستفيدًا من شبكة علاقاته التاريخية وتفاهماته الممتدة مع القوى الوطنية.
اليوم، وبينما يقف العراق أمام استحقاق اختيار مرشّح لرئاسة الجمهورية، يتجدّد دور الاتحاد بحيوية واضحة. فالحضور المتصاعد للاتحاد في بغداد — سياسيًا وفكريًا — يعكس نضوج رؤيته، وقدرته على إعادة بناء الشراكات التي تقوم على الحوار والصراحة، لا على المجاملة أو الصدام.

وفي هذا السياق، جاءت زيارة الرئيس بافل طالباني إلى بغداد، تلتها مباشرة زيارة قوباد طالباني، لتعبّر عن تنسيقٍ دقيق وحراكٍ محسوب، يعيد تثبيت موقع الاتحاد داخل القرار الوطني. لقد حملت الزيارتان رسائل واضحة: الاتحاد موجود، رأيه مسموع، ودوره في اختيار رئيس الجمهورية لا يتراجع، بل يزداد ثباتًا بفضل إرثٍ سياسي يحترمه الجميع.

تتضافر هذه العوامل — تاريخ الاتحاد في تقديم الرؤساء، مكانة مام جلال الوطنية، دوره في مواجهة الإرهاب، وحراك قيادة الاتحاد اليوم — لصنع مشهدٍ سياسي يضع الاتحاد الوطني الكوردستاني في قلب لحظة الاختيار. فهو صاحب التجربة، وحارس التوازن، ووريث مدرسة سياسية جعلت بغداد ترى فيه طرفًا موثوقًا، قادرًا على المساهمة في اختيار رئيس للجمهورية يكمّل مسيرة الاستقرار التي رسّخها مام جلال، ويحفظ مصالح العراق وشعبه.


