كتابة: عماد أحمد
ترجمة : نرمين عثمان محمد / عن صحيفة كوردستاني نوى
للميزان دورٌ مهم في تاريخ البشرية، حتى إن اسمه ورد في القرآن الكريم مرات عديدة، وكذلك في الأدب الكردي، حيث أشار االشاعر الكبير نالي في الثناء على عيون حبيبته (محبوبة) الى ميزان دلالها حيث قال:
يخبرونني أن (محبوبة ) حولاء وعوراء تميل إلى القتال،
أهي حولاء وعوراء أم تُصعِدُ ميزانَ دلالِها قليلاً؟!
كان الميزان في بداياته يُعرف بالمِقْدار أو المكيال أي بعشوائيةٍ وتقديرِ عفويِ، ثم تحوّل لاحقاً إلى أداة بسيطة لقياس الأشياء ووزنها.
والميزان بوصفه أداة لقياس الأوزان ولقياس الأشياء موضوعياً، صُنع في أبسط صورة، ومع مرور الزمن، وكغيره من الآلات و الأدوات في المجتمع، مرّ بمراحل من التطور حتى وصل إلى عصرنا هذا، وأصبح ميزاناً إلكترونياً متطوراً يزن أخف الأشياء، وبلا شك أثقلها أيضاً.
وتتعدد أنواع الموازين، كميزان الحدائق وسوق الخضار، وميزان المحال التجارية، والميزان الإلكتروني، وميزان الصاغة، والمختبرات الطبية …….وإلخ.
والميزان هو البرج السابع في الأبراج الفلكية (23 أيلول – 22 تشرين الأول) وكذلك يُستعمل الميزان، إلى جانب وزنه للأشياء المادية، بوصفه استعارة للوزن في السياسة والفلسفة والدين وإدارة الدولة،فالميزان في معناه العام يرمز إلى العدالة والاستقامة.
وفي مدينة خانقين( قلعة دمدم كردستان)، مدينة النضال والمقاومة والمناضلين، مدينة جارالله والدرويش باوهخان، يرتبط الميزان بذكريات ودلالات خاصة، ومن هذا المنطلق رغبتُ أن أكتب هذه المرة عن رمزين نقيّين صادقين من رموز تلك المدينة.
كان جارالله رجلاً (صابئياً) يعمل صائغاً،وكان معروفاً بالاستقامة والنزاهة في معاملاته.
كان رجلاً أبيض البشرة، طويل القامة، عَسَليَ العَينين ، ذا شاربين رفيعين، وشعر أسود كثيف، وجسد نحيل. كان يرتدي دشداشة بيضاء ويضع الغترة على رأسه، وكان دكانه قريباً من كباب (أحمد خَجه) ،وكان يسكن في محلة (تێلخانە).
وكان هذا الرجل، عند بيع الذهب وشرائه، ينفخ في كفّتي ميزانه لينفض عنهما الغبار، لكي لا يسجل الغبار وزناً ويظلم المشتري أو يتضرر البائع.
وكان جار الله يردد مقولةً ثمينةً: (في هذه الدنيا الفانية يُوزن الذهب بالميزان، أما في الآخرة وعند الله تعالى فلا قيمة لهذا الذهب، إذ تُوزن الأخلاق والعدل ونقاء السريرة بميزان أدقّ، ثم يُجزى الإنسان على ذلك .)
أما درويش باوهخان فكان رجلاً نورانياً، متقياً لله. كان يملك محلاً كبيراً لبيع الحبوب بجانب محل تمر العم محمد سيفور، كان يلبس دائماً ثوباً أبيضاً بسيطاً(رخيص الثمن )، وينتعل صندلاً جلدياً من دون أن يلبس الجوارب، ويضع الغترة على رأسه، كان شعري رأسه و لحيته بيضاء كالثلج، قصير القامة، نحيل الجسد، لا يرفع بصره عن الأرض، وكان يرفعه إلى السماء عند الصلاة والعبادةفقط،وكان يسكن في محلة (جه له وه ) مقابل نهر (ئه لوه ن)، وكان درويش باوهخان أيضاً، عند الوزن والقياس، يضع كيساً ورقياً فارغاً على كفّة الميزان، ليعادل به وزن الكيس الذي يضعُ فيه البضاعة.
هذان الرجلان وغيرهما الكثيرين كانوا لا يرضون بالرزق الحرام، وألا يهنأ لهم نوم ليلاً بالنصيب الحرام.
واليوم، من أجل حماية الإقليم، والإصلاح في الحكم، ومنع الفساد من التغلغل في المجتمع، نحن بحاجة إلى ميزان عادل وقياس صحيح في جميع مجالات الحياة،وأعتقد أنه، رغم تغيّر الأزمنة، لكننا ما زلنا في كل عمل، سواء أكان تجارياً أم سياسياً أم إدارياً، بل وحتى في حياتنا اليومية، بحاجة إلى أشخاص من طراز جارالله ودرويش باوهخان.
اللهم لا تحرم وطني كردستان من نعمة ميزان الاتزان والمساواة والعدالة.