عباس عبد الرزاق
في تحرك نادر يعكس تغيرًا حادًا في موازين القوى بالشرق الأوسط، بات الكرد اليوم شريكًا حاسمًا في كل من العراق وسوريا. الاتصالات الأخيرة التي أجراها المبعوث الأمريكي الخاص إلى سوريا، توم باراك، مع قيادات كردية، تكشف مدى حاجة واشنطن إلى الكرد لمنع تشكيل حكومة عراقية موالية لإيران، والحفاظ على ما يعرف بـ “سوريا الجديدة” على الحدود الشرقية للبلاد.
هذا التحول لم يكن نتيجة مفاجئة، بل نتاج تراكم عوامل جيوسياسية واستراتيجية تجعل من الكرد اليوم عنصرًا أساسيًا في صناعة القرار، وهو موقع لم يتحقق منذ سنوات طويلة.
واشنطن في موقع الحاجة: الكرد المفتاح
لم تعد الولايات المتحدة قادرة على فرض قرارات مباشرة في بغداد كما في السابق. ترشيح نوري المالكي، الرجل الذي تعتبره واشنطن رمزًا للنفوذ الإيراني، يمثل تهديدًا مباشرًا للمشروع الأمريكي في العراق وسوريا. في هذا السياق، يظهر الكرد كطرف لا غنى عنه:
العراق: الكتل الكردية قادرة على تعطيل أو تمرير أي حكومة أو قانون يمس مصالح الإقليم.
سوريا: الكرد هم محور الاستقرار الأمني والسياسي في شرق الفرات، حيث يعتمد المشروع الأمريكي على وجودهم كضمانة للسلام النسبي.
المحللون السياسيون المستقلون يؤكدون أن هذه لحظة تاريخية نادرة منذ 2017، حيث تصبح القوة الاستراتيجية في المنطقة بيد الكرد، لا بيد بغداد أو واشنطن وحدها.
الفرص الاستراتيجية: العراق وسوريا
في العراق: فرض شروط ملموسة
الكتل الكردية تستطيع استغلال موقعها السياسي لتحقيق مكاسب استراتيجية في بغداد:
-
الفيتو البرلماني: ضمان القدرة على منع أي قرار يمس مصالح الإقليم أو يدعم النفوذ الإيراني.
-
الطاقة والاقتصاد: تعديل قوانين النفط والغاز لصالح الإقليم، مما يمنحهم استقلالية مالية وسياسية.
-
البيشمركة: إدماج القوة العسكرية الكردية ضمن إطار مستقل، يحمي الإقليم ويمنحه القدرة على الدفاع عن مصالحه.
-
التمثيل السياسي: ضمان مناصب سيادية في الحكومة العراقية، مثل رئاسة الجمهورية أو رئاسة مجلس النواب، لتعزيز النفوذ الكردي في صنع القرار.
في سوريا: الاعتراف والحماية
في شرق الفرات، يمكن للكرد استغلال اللحظة للحصول على:
اعتراف أمريكي رسمي بالحكم الذاتي، وهو مطلب استراتيجي يحمي مناطقهم من أي تهديد مستقبلي.
ضمانات أمنية ضد الهجمات التركية أو محاولات دمشق للسيطرة على المناطق الكردية.
مشاركة فعلية في إدارة المناطق بعد الحرب، وهو مطلب يضمن استمرار الاستقرار السياسي والاقتصادي.
الاختلافات داخل الحركة الكردية: KDP وPUK
التحليل الاستراتيجي يكشف أن هناك اختلافًا في الأسلوب بين الحزب الديمقراطي الكردستاني (KDP) والاتحاد الوطني الكردستاني (PUK):
KDP: يميل إلى رفع سقف المطالب بسرعة ويستخدم خطابًا صريحًا في مواجهة النفوذ الإيراني والأمريكي.
-
PUK: أكثر براغماتية، يفضل الحفاظ على قنوات التواصل مع جميع الأطراف، وتجنب الصدام المباشر، واستثمار المنطقة الرمادية لحماية مصالح الإقليم على المدى الطويل.

