رؤية حول مقاومة روجآفا
كتابة : لطيف نيرويي
ترجمة : نرمين عثمان محمد / عن صحيفة كوردستاني نوى
منذ سنوات باتت (روجآفا /غرب كردستان ) عنواناً عالمياً، وخلال الأعوام الماضية، وبفضل صمودها ونضالها الملحمي في مواجهة أخطر قوة إرهابية، وتمكنها من إنتاج تجربة ذاتية ونموذج إداري خاص، استطاعت أن تكسب أصدقاءً كثراً كما خلقت أعداء كثيرين، فالأصدقاء غالباً ما وقفوا إلى جانبها ودعموها في أوقات الشدة والمحن، أما أعداؤها فلم يقفّوا مكتوفي الأيدي تجاه إرتقاءِ تلك التجربة وحاولوا إسقاطها، ولهذا السبب، وخلال عقد واحد، واجه الشعب الكردي في “روجآفا /غرب كردستان” أربعة حروب فُرضت عليها فرضاً.
أولاً: الحرب التي فرضها تنظيم داعش الإرهابي على شعب كردستان في (روجآفا) وسائر المناطق الكردية في سوريا.
ثانياً: الحرب التي شنتها الميليشيات والجماعات المتطرفة التابعة للمعارضة السورية ضد الشعب الكردي في تلك المنطقة.
ثالثاً: الحرب التي فرضها نظام الأسد البائد على الشعب الكرد ي في سوريا.
رابعاً: الحرب المفروضة التي يشنها جيش (أحمد الشرع) وبقايا داعش ضد الكرد في (روجآفا/غرب كردستان) والمناطق الكردية الأخرى في البلاد.
أن هذه الحرب الأخيرة تختلف في جوانب عدة عن الحروب الثلاث السابقة، ويمكن تلخيص أوجه الاختلاف بما يلي:
– في الحروب الثلاثة السابقة كانت قوات سوريا الديمقراطية (قسد)، بوصفها القوة الرئيسية في (روجآفا / غرب كردستان)، وبدعم من القوات الدولية وبعض القوى الوطنية من أجزاء كردستان الأخرى، تدافع عن شعبها وأقامت إدارة ذاتية شاملة لجميع مكونات المنطقة. أما اليوم، أي في هذه الحرب المفروضة الأخيرة، فهي تقاتل دون دعم الحلفاء، معتمدة على ذاتها وعلى مساندة القوى السياسية الكردستانية،و لا يزال موكب صمودها ومقاومتها مستمراً.
– في الحروب الثلاث الأولى لم يكن الدعم الإعلامي والجماهيري الكردستاني ل (روجآفا ) بالمستوى المطلوب، واقتصربوضوح على عدد محدود من الجهات، أما في هذه الحرب، فإن الإعلام والرأي العام الكردستاني في الداخل والخارج يقفون بشكل واسع إلى جانب (روجآفا)، وتظهر وحدة الصف و التضامن في التغطيات الإعلامية بوضوح.
– في الحروب السابقة كانت العشائر العربية حليفة لقوات المقاومة مناضلة معها في نفس الجبهة ، أما في هذه الحرب المفروضة لم تدير هذه العشائر ظهرها فقط الى روجآفا بل دقت سلطة دمشق ناقوس الحرب بدعم هذه العشائر وأشعلت حرباً خطيرة وكارثية ضد الكورد.
– في الحروب السابقة لم تكن هناك وحدة حقيقية بين القوى والأحزاب السياسية في روجآفا، بل إن بعض الأطراف لعبت دور معارضة سلبية، بينما نرى اليوم أن كورد روجآفا يقاومون بإرادة قوية ووحدة وطنية راسخة.
– بنفس الشكل في جنوب كردستان لم يكن الإجماع السياسي والجماهيري والإعلامي كاملاً في دعم (روجآفا) في السابق أما الآن فهناك موقف موحد وإرادة مشتركة لمساندة مقاومتها وتقليل مخاطر الحرب المفروضة،ولكن لاتزال هناك بعض الأصوات القليلة التي يمكن أن تكون لها رؤيةً مختلفةً حول الأوضاع في(روجآفا ) والمقاومة القومية والتي بعد طرح بعض الأسئلة ، سنلتفِتُ بنظرةٍ خاطِفَةِ الى هذه الأصوات التي تمتلك فكراً ورؤيَةً مختَلِفَةً حولَ الأوضاعِ في سوريا والحرب المفروضةِ ضدَ شعبِ كوردستان.
– حولَ الحرب المفروضة تطرَحُ هذه الأسئلةنفسَها :
– عندما تُفرض حرب على مصير أمة، هل يبقى أي خيار غير خيار المقاومة؟
– وفي مثل هذا الظرف الخطير، ماذا ينبغي على الساسة والمثقفين والكتّاب ورجال الدين أن يفعلوا؟
– وهل يجوز في لحظة يكون فيها خطر فقدان الأرض وإبادة أمة في قِمَتِهِ، أن ننشغل بنقد أنفسنا وكشف نواقصنا، أم يجب أن نتوحد ونخوض نضالاً شاملاً للدفاع عن شعبنا والسعي إلى بناء وحدة وطنية؟
من المؤكد أن التغاضي المؤقت عن الأخطاء، والدفاع عن أمة مظلومة في معركة مصيرية ، وبعد إنتهاء الحرب إذا نظرنا برؤيةِ موضوعيةٍ للأحداث وعرضنا كافة النواقص ، فسنرى بأنهُ لم يكن هناك أيُ خيارٍ آخرَ أمامَ الكرد سوى ان يقاوموا ، لذلك وكما يقول الشعب الكردي في روجآفا فهم يحاربون في حرب (البقاء أو الفناء) رافعين شعار (أما الحياةُ مرفوعي الرأس أو الموتُ مرفوعي الرأس).
– ومع ذلك، هناك قلة من الكتّاب ورجال الدين، ولا سيما من جنوب كردستان، يوجهون انتقادات إلى قوات سوريا الديمقراطية (قسد )ومقاومة (روجآفا)، متسائلين: لماذا وصلت قوات سوريا الديمقراطية (قسد) إلى حلب ومدن وبلدات أخرى خارج الجغرافيا الإدارية ل (روجآفا)؟
ينبغي لهؤلاء السادة أن يدركوا بوضوح أن زمن الحرب المفروضة هو زمن تضيق فيه مساحة النقد، ويتطلب من الجميع خوض نضال سياسي وجماهيري وإعلامي موحد إلى جانب الكفاح المسلح لدفع أخطار الحرب، على أن يتم تقييم التجربة ونقدها بعد انتهائها.
– ولكن من هم هؤلاء المنتقدين ؟ غالبية المنتقدين، يفتقرون بسبب البعد الجغرافي إلى المعرفة الدقيقة بالواقع السياسي الجغرافي والتاريخي والأمني للمنطقة، ولا يدركون أن مقاومة روجآفا لا تهدف إلى غاية واحدة فقط، بل إلى عدة أهداف أساسية، هي:
أولاً: المقاومة من أجل الدفاع عن أرض (روجآفا /غرب كردستان.)
ثانياً: المقاومة من أجل حماية الشعب الكردي في روجآفا والمدن والبلدات السورية التي تضم أعداداً كبيرة من الكورد، وقد كان توجه قوات سوريا الديموقراطية ( قسد) إلى حلب وغيرها من االمدن والبلدات الأخرى في سوريا لحماية مئات الآلاف من الكورد من الإبادة والإفناء ، وخاصة في زمن هجمات إرهابي داعش والقضاء على مخاطر داعش .
ثالثاً: المقاومة من أجل ضمان الحقوق الدستورية والقومية لشعبهم ، وحماية حقوق المكونات الأخرى في البلاد ، والمساهمة في إقامة نظام ديمقراطي جديد.
رابعاً: المقاومة من أجل انتصار فكر التعددية والتعايش على الفكر العنصري والظلامي.
إن تحقيق هذه الأهداف ليس عملاً سهلاً، ولا يخلو النضال من أجلها من النواقص و التضحيات، ولكن حقيقة تاريخية تؤكد أن كلة “لا” التي قالتها (روجآفا) للاستسلام جرّت وراءها عشرات الملايين من كلمة “نعم” للمقاومة وراءها .
– ورغم أن الحرب المفروضة كانت مؤلمة وهزت أعماق كل فرد من أبناء الشعب الكوردستاني، فإن كلمة “لا” التي قالتها روجآفا أثبتت أنها تستند إلى أمة عظيمة، وأشعلت كلمة (لا ) تلك في قلوب الكورد جميعاً جذوة مقدسة، وأطلقت نضالاً سياسياً وجماهيرياً وإعلامياً مشتركاً لعموم شعب كوردستان.
وهذا النضال المشترك، إضافة إلى دعمه المعنوي الكبير لروجآفا، جذب أنظار العالم والمنظمات الدولية إلى مظلومية الشعب الكوردي، وأثبت حقيقةَ أن الكورد، حتى لو لم يكن لهم أصدقاء وداعمون ، فهم قادرون بوحدة صفوفهم وإتباع سياسة الاعتماد على الذات والنضال المشترك على مواجهة الأخطار والتحديات.
– من جهة أخرى، أصبحت مقاومة( روجآفا /غرب كوردستان ) سبباً في اندلاع شعلة احتجاجات جماهيريةعفوية واسعة ومتعددة الألوان في جميع أجزاء كوردستان وفي الخارج، حيث لم يشهد الشعب الكوردي منذ عقود طويلة مثل هذه التظاهرات الواسعة، التي جرت في نحو خمسين دولة حول العالم.
– كما أن القوى والأحزاب السياسية في إقليم كوردستان وبقية أجزاء كوردستان لم يسبق أن توحدت بهذا الشكل حول قضية وطنية، وأصدرت مواقف مشتركة في بيانات رسمية، مثلما فعلت عشرة أحزاب وجهات رئيسية في جنوب كردستان عندما أعلنت في بيانِ لها بكل جرأةِ ووضوحِ وشعورِ بالمسؤولية دعمها الواضح ل (روجآفا).
إن وحدة الصف هذه والتلاحم السياسي والجماهيري والإعلامي لشعب كوردستان ، واتباع سياسة الاعتماد على الذات وعلى قوة الشعب ، دفعت الجهات الدولية المعنية إلى إعادة النظر في مواقفها، وإدراك مخاطر استمرار الحرب بشكلٍ أفضل َ، ولذلك تولَدَ ت محاولةتسعى الى إيجاد مخرجِ للتفاوض وفتح بابِ للهدنة ِ وإيصال المساعدات إلى النازحين بجانب الحرب المفروضةِ على روجآفا.

