عباس عبدالرزاق
لم تعد قناة الجزيرة مجرد وسيلة إعلامية تنقل الخبر أو تفتح مساحة للنقاش، بل تحولت في كثير من لحظات الأزمة السورية إلى جهاز لإعادة تشكيل الوعي السياسي، وصناعة صورة “العدو”، وإعادة توزيع الشرعية بين الضحية والمتهم.
في الحالة السورية، لم يكن خطاب الجزيرة محايدًا، بل كان منحازًا لبنية سردية واحدة:
سردية ترى في بعض المكونات الاجتماعية خطرًا، وفي مطالبها السياسية تهديدًا، وفي وجودها التاريخي مشروعًا مشبوهًا.
من الصحافة
إلى التعبئة السياسية
الإعلام، حين يفقد مسافته النقدية، يتحول من ناقل للواقع إلى مهندس له.
وهذا ما يمكن ملاحظته بوضوح في طريقة تناول الجزيرة للقضية الكردية في سوريا.
في خطاب الجزيرة:
لا يُقدَّم الكرد بوصفهم شعبًا له حقوق سياسية وتاريخية.
بل يُقدَّمون بوصفهم “مشكلة”.
لا تُناقش مطالبهم ضمن إطار المواطنة.
بل تُحاصر ضمن خطاب أمني وسيادي.
هنا لا نكون أمام إعلام، بل أمام عملية إعادة تعريف للواقع.
فيصل القاسم:
المناظرة بوصفها ساحة إعدام رمزي
في برامج مثل “الاتجاه المعاكس”، لا تُطرح القضية الكردية بوصفها قضية سياسية قابلة للنقاش، بل بوصفها ملفًا اتهاميًا.
آلية الخطاب واضحة:
1. اختيار ضيوف يمثلون أقصى درجات العداء.
2. دفع الحوار نحو صدام هوياتي لا نحو تحليل عقلاني.
3. استخدام لغة توحي بأن الكرد خطر على الدولة لا جزء منها.
4. تحويل المطالبة بالحقوق إلى تهمة سياسية.
بهذه الطريقة، لا تصبح المناظرة بحثًا عن الحقيقة، بل مسرحًا لإنتاج العداء.
اللغة بوصفها سلاحًا سياسيًا
أخطر ما في خطاب الجزيرة ليس ما تقوله مباشرة، بل ما تزرعه ضمنيًا.
حين تتكرر مفردات مثل:
• “المشروع الانفصالي”
• “تهديد الوحدة الوطنية”
• “تمرد على الدولة”
• “أجندات خارجية”
فإنها لا تعمل كمصطلحات صحفية، بل كأدوات سياسية لإعادة تشكيل الوعي العام.
وهنا يتحول الإعلام إلى سلطة رمزية، تمارس نوعًا من العنف غير المرئي: عنف اللغة.
قلب الحقيقة:
من الضحية إلى متهم
في خطاب الجزيرة، يحدث انقلاب خطير في المعنى:
الشعب المهمّش يُقدَّم بوصفه خطرًا.
المطالب بالحقوق يُقدَّم بوصفه متمردًا.
الضحية تُقدَّم بوصفها تهديدًا للدولة.
هذا ليس خطأً صحفيًا، بل اختيارًا سياسيًا. وهنا يتحقق ما يمكن تسميته بـ: “الإبادة الرمزية”.
حين تُمحى رواية شعب كامل، ويُعاد تعريفه بوصفه مشكلة، فإن ذلك يمهّد لتبرير إقصائه سياسيًا وربما استهدافه ماديًا.
الجزيرة
والصراع الإقليمي
لا يمكن فهم خطاب الجزيرة بعيدًا عن الصراع الإقليمي. فالقناة ليست مجرد مؤسسة إعلامية، بل جزء من منظومة سياسية أوسع.
في هذا السياق:
تتحول القضية الكردية إلى ورقة في لعبة النفوذ.
يصبح الإعلام أداة لإعادة رسم خرائط الشرعية.
تُستخدم لغة الوطنية لتبرير إنكار الحقوق.
وتُستخدم لغة السيادة لتبرير الإقصاء.
وهكذا، لا يعود السؤال: ما الحقيقة؟
بل: أي حقيقة تخدم التوازنات السياسية؟
من الإعلام إلى شرعنة العنف
حين ينجح الإعلام في تصوير جماعة اجتماعية بوصفها خطرًا، فإنه يحقق أخطر وظيفة سياسية: تهيئة المجتمع لقبول العنف ضدها. العنف لا يبدأ بالسلاح، بل بالكلمة. ولا يبدأ بالرصاص، بل بالمصطلح. ولا يبدأ بالقتل، بل بنزع الشرعية.
وهذا ما يجعل خطاب الجزيرة خطيرًا، ليس لأنه يدعو صراحة إلى العنف، بل لأنه يخلق شروطه الفكرية.
أزمة الإعلام العربي
ليست الجزيرة وحدها
المشكلة ليست في الجزيرة وحدها، بل في نموذج إعلامي عربي كامل: إعلام يرى في التعددية تهديدًا.
في الاختلاف خطرًا. و في الحقوق مؤامرة. و في الأقليات عبئًا سياسيًا. هذا الإعلام لا ينتج وعيًا، بل ينتج خوفًا. ولا يبني وطنًا، بل يصنع خطوط تماس.
حين تصبح الشاشة ساحة حرب
في سوريا، لم تكن المعركة فقط بين الجيوش، بل بين الروايات. ولم تكن الحرب فقط على الأرض، بل في الوعي. حين تتحول قناة إعلامية إلى منصة لإعادة إنتاج العداء، وحين تصبح المناظرة أداة لإعدام الخصوم رمزيًا، وحين تتحول اللغة إلى سلاح سياسي،
فإن الإعلام لا يعود جزءًا من الحل، بل يصبح جزءًا من المشكلة. إن أخطر ما فعلته الجزيرة في الملف السوري ليس أنها انحازت لطرف، بل أنها ساهمت في تحويل الصراع السياسي إلى صراع هوياتي، والاختلاف إلى تهديد، والتعددية إلى جريمة. وهنا، لا يكون الخطر على الكرد وحدهم، بل على فكرة سوريا نفسها.

