كتابة : د. عدالت عبدالله ترجمة : نرمين عثمان محمد/ عن صحيفة كوردستاني نوى
الجزء الثالث والأخير
غَلَبَةُ دافِعِ المَوْت
ثامنًا: في الوقت الذي تُعَدّ فيه فكرة السلام فكرةً قديمة تعود إلى الفلسفة الرواقية قبل الميلاد بثلاثة قرون، حيث رفع رايتها الرواقيون ، وفي الوقت الذي أصبح فيه السلام والاستقرار، بوصفهما قضية أزلية حيّة، وجزءًا من الخطاب العالمي ومطلبًا أساسيًا للمجتمع الدولي،ومع كل ذلك فإنّ السلام مقارنةً بإرادة الصراع والعنف ونزعة الحرب وسلوكها لدى الإنسان والدول لم يتحوّل بعدُ إلى دافعٍ راسخٍ ودائم في بنية الحضارة الإنسانية، وحتى اليوم، تشهد مناطق مختلفة من العالم عددًا كبيرًا من الحروب الدامية والصراعات، ولا سيما تلك التي اندلعت خلال السنتين أو الثلاث الماضية، والتي أجهضت الأمن الدولي في أكثر من دولة، وهذا فضلاً عمّا تخلّفه من مآسٍ إنسانية وخسائر في الأرواح والممتلكات لا تُحصى، تشمل على سبيل المثال لا الحصر:(الحرب الروسية-الأوكرانية، الحرب المفتوحة بين إيران وإسرائيل، التوترات بين الهند وباكستان، النزاع الأرميني -الآذربيجاني، التوترات بين باكستان وأفغانستان، الصراع بين إسرائيل ولبنان، وبين إسرائيل وفلسطين، والحرب السعودية-اليمنية، والنزاعات الداخلية العنيفة في السودان، والحروب الأهلية في الصومال وليبيا، والصدامات المتكررة بين الحين والآخر بين باكستان وأفغانستان، والنزاعات في منطقة القرن الإفريقي، والصراعات الدموية في الكونغو الديمقراطية وميانمار والعديد من المناطق الأخرى المشتعلة.) ونحن جميعًا نعلم أن بعض هذه الحروب ما زال مستمرًا حتى اليوم على مرأى من المجتمع الدولي، وبعضها يعيش حالة هدنة هشّة معلقة و قابلة للانفجار في أيةِ لحظة، وبعضها الآخر يقف على شفا اندلاع جديد، وتُظِهر كل هذه التجارب المعاصرة، بأنه على الرغم من مرور شعوب العالم بعشرات الامتحانات المريرة عبر التاريخ، ورغم وعيها بكوارث الحروب وخسائرها، ورغم تضاعف عدد المؤسسات والمنظمات الوطنية والدولية المعنية بإدارة النزاعات مقارنةً بالماضي، إلا أنّ أياً من ذلك لم ينجح حتى الآن في ترسيخ سياسات فعّالة ودائمة لحفظ السلام. بل والأكثر من ذلك، كثيرًا ما تُرتكب للأسف أفظع الجرائم والحروب الدامية باسم فرض الاستقرار، وسيادة القانون، وتهدئة التهديدات، ومواجهة الأعداء، ومحاربة الإرهاب، وضبط المتمرّدين، وتحقيق توازن القوى، وإقرار السلام، والتصدّي للاحتلال، وقد أثبتت التجربة مرارًا أن الحرب والعنف يصبحان بديلاً عن الحلول العقلانية والسلمية للنزاعات في العالم. وبالمعنى الفرويدي للكلمة، (أي وفق رؤية عالم التحليل النفسي سيغموند فرويد (1856-1939م)، فإن دافع الموت ،وهو الميل الغريزي إلى العدوان والتدمير والعنف ما يزال، في القرن الحادي والعشرين، أقوى حضورًا من دافع الحياة ،الذي يدفع الإنسان نحو السلام والبقاء والمحبة والتعاون والبناء.
الحرب مرحلةٌ ومصيرٌ مشترك
تاسعًا: ضمن إطار الحقائق الواقعية ، ووفقًا لتقرير صادر عن الصليب الأحمر الدولي نُشر في العام الماضي، يعيش ما يقرب من (204) ملايين إنسان في العالم في مناطق تسيطر عليها جماعات مسلّحة، أو في بؤر ساخنة لنزاعات دموية، تنتشر جغرافيًا ضمن ما يقارب ستين دولةفي العالم ، ماذا يعني ذلك؟ يعني ذلك بوضوح أنّه من مجموع (195) دولة في العالم، بما فيها الفاتيكان وفلسطين، ما تزال قرابة (60) دولة تعيش في دوّامة الحروب والصراعات، أي إن نحو (31%) من البشرية محرومون من أي شرط من شروط السلام والاستقرار، وهذا يبرهن أن عالمنا، بصورةٍ عامَةٍ ، هوعالم غير مستقر، وأن مصيرنا فيه يفتقر إلى الضمان والطمأنينة.
عاشرًا: حقيقة أخرى خطرة هي أنه حتى لو توفّر السلام والاستقرار في أي جُزءٍ منَ العالم، فإن المناطق الأخرى التي تعاني من الحروب والعنف تتحوّل إلى مصدر أزمات و مشاكل عديدة تهدد الجميع. واليوم، أبرز الأزمات والاختلالات الناتجة عن استمرار الحروب وما تولّده من أزمات سياسية واقتصادية وإنسانية عالمية تتمثّل في: اللجوء والنزوح، الهجرة القسرية، العنصرية وكراهية الأجانب، أزمات المعيشة والاقتصاد، أزمات الطاقة والوقود، إختِلال أسواق العمل، مشكلات السكن، ارتفاع الأسعار (ولنا أن نتأمل أثر حرب أوكرانيا في أوروبا)، تزايد البطالة، تراجع منظومات الضمان الاجتماعي والخدمات العامة….وإلخ. كل ذلك يبيّن لنا أن استمرار الحروب والنزاعات الدموية وغياب السلام والإستقرار في أي جزء من العالم يحرم بقية أجزاء الكوكب من الأمن والاستقرار، ويؤكد في النهاية أن مصير المجتمع الإنساني واحد، وأن العالم برمّته يبقى في حالة إنسانية ونفسية غيرُ إعتيادية ، وأن المناطق المستقرة نسبيًا تدفع ضريبة مناطق الحروب والصراعات.
حادي عشر: فشل المؤسسات والمنظمات الدولية في حفظ السلام:
من أبرز العراقيل أمام استقرار السلام وسياسات حفظ السلام الدولية، هو فشل المؤسسات الدولية مثل الأمم المتحدة ومجلس الأمن، والذين فشلوا في العديد من الحروب والصراعات الدامية والإبادة الجماعية على مستوى العالم وذلك نتيجة عدد من العوامل الواضحةوالبارزة ، ومنها:
-
عدم فعالية قوات حفظ السلام، من ذوو (الخوذة الزرقاء) والذين يعرفون بالقوات الدولية لحفظ السلام .
-
فشل العديد من جهود الوساطة الدبلوماسية بين الدول والأطراف المتنازعة.
-
عدم الكفاءة أو التمييز أو عدم إستخدام العقوبات الدولية المفروضة على الدول أو الجماعات المسلحة التي تواصل ممارسة العنف والحروب كما يجب.
-
ضعف التفاعل الدولي وتعدد المصالح المتناقضة بين الدول الأعضاء في مجلس الأمن، مما أدى إلى تقاعس واضح في أزمات مثل رواندا (1990-1993م) والبوسنة (1992-1995م)، وما نشهده اليوم في سوريا وغزة وأوكرانيا، وحتى في النزاع الإسرائيلي -الإيراني، حيث ظهربأنها تسببت في أضرار كبيرة للسلام العالمي.
-
ضعف دور المؤسسات الإقليميةالمحافظة على السلام ، مثل الاتحاد الأوروبي وحلف شمال الأطلسي (الناتو)، والاتحاد الإفريقي، ودول التعاون العربية .
-
قصور المؤسسات الدولية القضائية والحقوقية ، مثل المحكمة الدولية للعدالة والمحكمة الجنائية الدولية.
-
ثاني عشر: الشركات ومعسكرة العالم : حقيقة أخرى خطيرة على ظروف السلام و الإستقرار العالمي تتمثّل في شركات تصنيع الأسلحة والجيوش الخاصة، التي حولت هذا الكوكب الى معسكرٍ كبيرِ وتساهم في رفع ميزانيات الدفاع في غالبية الدول، يعتبر اليوم التسويق في سبيل التهديدات الأمنية والعسكرية وتحفيز التنافس على التلسح وإطالة مدة الحروب وبيع الأسلحة للدول والجماعات المتطرفة وتشكيل اللوبيات داخل المؤسسات الإعلامية في العالم حيث تصبح شراء الأسلحة بأعدادِ أكثر وإعتبار تجديدها ضرورةً أمنيةً، تعتبر بمثابة إلغام العالم وتهيئة مناطقها المختلفة لإحتمالية إندلاع العديد من الحروب الأخرى، وبحسب منطق الصناعة العسكرية أضحت هذه الشركات تعمل عمل حفاري القبور فكما إن طبيعة هذه التجارة أو هذا العمل تعتمد على بقاءها حيةً على أساس إزدياد أعداد الموتى من البشرفإنَهُ بنفس الشكل أرباح تلك الشركات العالمية والإقليمية تزدادُ مع إزدياد الصراعات والحروب في العالم وهذا يشكل خطراً وآلاماً بالغةً لشعوبٍ مثلَ الشعب الكوردي الذي لا يملك دولتَهُ من ومقسمٌ ومحرومُ من حق التَسَلُحِ من جِهَةٍ وبسبب القدرة العسكريةالكبيرة للدول المتسلطة من جهةٍ أخرى يكون دائماً أمام إحتمالية تكرار القمع والإبادة الجماعية. .
-
ثالث عشر: الأزمات والعنف
هناك حقيقة أخرى حية وواضحة جداً ، وهي تعتبر مصدراً آخر لخلق عدم الإستقرار السياسي و الاجتماعي والأمني إذانمت وتطورت في أيةِ دولَةٍ ستجهض شروط السلام وتلحق الضرر بفكر اللاعنف والمرونة مرتبطة بمجموعة من الظواهر الموجودة في الواقع في العديد من أجزاء المجتمع البشري ، ومن هذه الظواهر:
-
غياب العدالة الاجتماعية وعدم توزيع السلطة والثروات بشكل عادل.
-
ضعف المؤسسات الحكومية وغياب سيادة القانون.
-
وجودالفساد والمحسوبية بشكلٍ كبير. ……والخ، هذه الظواهر أو العوامل توجد بصورة أكبر في الدول غير الديمقراطية وفي واقع المجتمعات التي تمرّ بمرحلة انتقالية نحو الديمقراطية، ولذلك تواجههم بطبيعة الحال حالة عدم إستقرارِ كبيرةٍ، وإذا لم تسيطر عليها وتعالج ستؤدي إلى اندلاع نزاعات دامية، ولربما كان واقع المجتمع بعد الانتفاضة في جنوب كردستان عام 1991م وفي العراق بعد عملية التحرير عام 2003، تعتبر أمثلة واضحة على نتائج غياب السلام والاستقرار.
الحرب والسلام واختلاف الحضارات
رابع عشر: تُشير الدراسات المتعلقة بالسلام والوساطة إلى أن هناك بعدًا ثقافيًا وحضاريًا مهمًا في فهم النزاعات وإدارتها، وفقًا للفروقات بين النشاط البشري، والخطاب الديني، والتجارب الدينية والمذهبية، والخصائص الإثنية والثقافية،حيث توجد تفسيرات متباينة لآليات السلام والوساطة ودور الأطراف المختلفة فيها. .وقد أصبحت هذه المشكلة الثقافية والحضارية نظرية فكرية عند مفكركالمفكر الأمريكي صمويل هنتنغتون (1927-2008م)يحلل بها أحد أبعاد عدم الإستقرار في العالم وهو بعد تصادم الحضارات مثل الحضارة الغربية ،الحضارة اللاتينية، الحضارة اليابانية، الحضارة الصينية، الحضارة الهندية، الحضارة الإسلامية، الحضارة الأرثذوكسية، الحضارة الأفريقية والحضارة البوذية، وقد تبين بالتجربة إن جزءاً من فرضيات هذا المفكر الأمريكي والتي وردت في كتابه (صدام الحضارات)قد تحققت في أكثرَمن رقعةٍ جغرافية في العالم وقد أورد عليها أمثلة وأدلةً كثيرةً ، لأن سببا واضحا للنزاعات وانقسام المجتمع البشري لها علاقة بالمعتقدات والقيم السياسية والفكرية و الأخلاقية والمواقف المختلفة التي تتخذها تلك الحضارات تجاه بعض القيم الكونية و تبرير العديد من هذه الإختلافات تحت عنوان الخصائص فمثلاً هناك العديدمن الدول والمجتمعات التي لاتمتلك نفس المعتقدات المماثلة والمشتركة لقيم حقوق الإنسان، الديمقراطية، التسامح ، التعايش،التعددية، المواطنة، العقلانية، العلمانية، حرية الصحافةوالإعلام، النقد ،فصل السلطات) وهذه كلها تعتبر بحسب الفرضيات الثقافية للفكر الفلسفي الحديث والمعاصر مجموعة شروط وقيم عولمية ضرؤرية لتحقيق المرونة والسلام والإستقرار في أيةِ دولة.
-
الخلاصة:
إن مواضيع السلام والمرونة والاستقرار مسائل حساسة ومعقدة للغاية، ولا يمكن تحقيقها وإدامتها بسهولة في أي مجتمع إنساني، وبالنسبة لشعب تعرض للإبادة الجماعية، مثل الشعب الكوردي الذي لايملك كياناً خاصاَ به فإن ظلال المخاطر والتهديدات عليه تكون أكبر وأكثر،و خصوصًا إن السلام والإسقرار العالمي والإقليمي يواجهان العديد من التحديات والشروط الخاصة بهما، والتي يجب مراعاتها وتكثيف النضال الدولي والإقليمي من أجلها ،والأكثر من ذلك على العالم ان يقوم بمراجعة نقدية لتجاربه السابقةفي حفظ السلام ، وأن يضع لها خطط وبرامج وآليات جديدة وفعالة ومشتركة.
المراجع
1.كانط، إيمانويل، (1952م)،( مشروع للسلام الدائم)، ترجمة عثمان أمين، مكتبة الأنجلو المصرية، القاهرة.
2.هوبز، توماس، (2011م)، (الليفاثان: الأصول الطبيعية والسياسة لسلطة الدولة)، ترجمة ديانا حبيب حرب وبشرى صعب، دار الفارابي، أبو ظبي.
3.عبدالفتاح، إمام، (2007م)، (الفلسفة السياسية عند هيغل)، ط3، دار التنوير، بيروت.
4.عثمان، أحمد، (1989م)، (الأدب اللاتيني ودوره الحضاري)، سلسلة عالم المعرفة (141)، الكويت
5 .عاني، البطرس / حيرى، محمود، (1976م)، (المدخل إلى علم السياسة)، ط5، دار النهضة المصرية للطباعة والنشر، القاهرة.
6.خريسان، باسم علي، (2018م)، (العنف البنيوي: دراسة في نظرية جوهان غالتونج لتفسير العنف، مجلة العلوم السياسية، العدد 55)، مركز الدراسات الاستراتيجية الدولية، جامعة بغداد، العراق. 7.ناصر، الخضاري / بركان، حسان، (2024م)، (مآل العنف الثوري عند كارل ماركس، مجلة المقدمة للدراسات الإنسانية والاجتماعية، العدد1، المجلد9)، الجزائر.
-
8. محسن، حاتم حميد، (2016م)، (فلسفة أرسطو في المساواة والسلام والديمقراطية)،موقع شبكة النبأ، الراب; https;//annab.org/Arabi/authorsarticles/8330

