الكاتب..عبد الزهرة محمد الهنداوي
تُعد كلفة الموظف الحكومي في العراق من القضايا التي تفرض نفسها بقوة عند مناقشة الموازنة العامة ومسارات الإصلاح الإداري والاقتصادي، فالدولة التي اعتمدت لسنوات طويلة على التوظيف العام بوصفه أداة للاستقرار الاجتماعي، باتت اليوم أمام تحدٍ حقيقي يتمثل في كيفية إدارة هذا الملف من دون الإضرار بالاستقرار أو تعطيل التنمية.
وتشير بعض التقديرات إلى أن متوسط كلفة الموظف الواحد سنوياً يتراوح ما بين 14- 16 مليون دينار، وتشمل الراتب والمخصصات والكلف غير المباشرة، (الاثاث- الاتصالات، القرطاسية- التكييف، الماء- الكهرباء، النقل.. الخ) إضافة إلى الالتزامات التقاعدية المستقبلية، وعند احتساب أكثر من 4 ملايين موظف ويضاف لهم المتقاعدون والعقود والاجور اليومية، تصبح الرواتب والأجور البند الأكبر في الموازنة الاتحادية، حيث تلتهم أكثر من نصف الإنفاق العام.
هذا الواقع يضع الموازنة أمام معادلة دقيقة، فكل توسع في التوظيف يعني زيادة فورية في الإنفاق الجاري، على حساب الإنفاق الاستثماري المخصص للمشاريع والبنى التحتية والخدمات.
ومع اعتماد العراق على الإيرادات النفطية، تتضاعف حساسية الموازنة تجاه تقلبات الأسواق، فيما تبقى الرواتب التزاماً ثابتاً لا يمكن تقليصه بسهولة.
غير أن المشكلة لا تكمن في مستوى الرواتب بحد ذاته، بل في كفاءة هذا الإنفاق، فضعف الربط بين الأجر والإنتاجية، وتضخم بعض الوظائف الإدارية، وتداخل الصلاحيات، كلها عوامل تقلل من العائد الفعلي لما تنفقه الدولة على جهازها الوظيفي، وبهذا تتحول الوظيفة العامة، في كثير من الأحيان، من رصيد بشري محتمل إلى عبء مالي متراكم.
ومن هنا، يبرز ملف كلفة الموظف بوصفه مدخلاً أساسياً للإصلاح الإداري والمالي، فالإصلاح لا يعني الاستغناء عن الموظفين أو المساس برواتبهم، بل يتطلب إعادة هيكلة الوظيفة العامة، وضبط التعيينات الجديدة، وتحديث توصيف الوظائف، وربط الاجور بالأداء، فضلاً عن الاستثمار في التدريب وبناء القدرات، كما يشكل التحول نحو الحكومة الرقمية أداة مهمة لتقليل الترهل الإداري ورفع كفاءة الإنفاق.
وفي الإطار الأوسع، يتطلب تحقيق التوازن في الموازنة العامة تقليص الاعتماد المفرط على الإنفاق الجاري، والتوجه نحو تعزيز الإنفاق الاستثماري، بما يخلق فرص عمل مستدامة خارج القطاع الحكومي، ويبرز هنا دور القطاع الخاص كشريك رئيس في استيعاب القوى العاملة وتحريك الاقتصاد، بما يخفف الضغط عن الدولة ويعزز الاستقرار المالي.
الصباح