الكاتب..سيف الحمداني
أعلن مجلس القضاء الأعلى، في ضوء التطورات الأمنية الأخيرة في سوريا، مباشرة الإجراءات القضائية الأصولية بحق معتقلي تنظيم “داعش” الإرهابي، الذين تم نقلهم من السجون، التي كانت تحت سيطرة قوات سوريا الديمقراطية، مع التأكيد على توثيق الجرائم الإرهابية بالتنسيق مع الجهات الدولية المختصة، وضمان خضوع جميع المتهمين، بغض النظر عن جنسياتهم أو مواقعهم داخل التنظيم، لسلطة القضاء العراقي حصراً.
هذا الإعلان يمثل، من الناحية المبدئية، خطوة مهمة نحو استعادة السيطرة الوطنية على أحد أكثر الملفات الأمنية حساسية. وجود المعتقلين داخل الأراضي العراقية يسمح للقضاء بالإشراف المباشر على التحقيق والتقاضي، وتوثيق الجرائم بطريقة قانونية منظمة تحمي حقوق الضحايا وتمنع الإفلات من العقاب. كما يتيح هذا الترتيب تعزيز التعاون القضائي الدولي وتثبيت الوقائع ذات الطابع العابر للحدود، وهو ما يرفع من مصداقية العراق في مكافحة الإرهاب.
مع ذلك، فإن السياق الزمني لهذه الخطوة يثير بعض التساؤلات المشروعة. نقل أعداد كبيرة من معتقلي “داعش” الارهابي إلى الداخل العراقي يرفع بطبيعته مستوى المخاطر، خصوصاً مع التحديات الأمنية المتزامنة على الحدود العراقية – السورية، واستلام العراق لقاعدة عين الأسد من التحالف الدولي في توقيت متقارب وسريع. هذه المعطيات تضع الدولة أمام اختبار مزدوج: القدرة على إدارة الملف القضائي –الأمني، وتلافي أي استغلال محتمل من قبل التنظيم أو الجهات
الخارجية.
المخاطر ليست في وجود المعتقلين بحد ذاته، بل في احتمال أن يتحول الملف إلى أداة ضغط أو اختراق داخلي إذا لم تُدار الإجراءات بحذر ودقة. وفي المقابل، يمكن للملف أن يكون نقطة قوة إذا أُعطي الطابع القضائي الأمني الصحيح، مع عزله عن أي تأثيرات سياسية أو فراغات أمنية محتملة.
العراق اليوم يُختبر ليس بقدرته على إعلان السيطرة، بل بقدرته على إدارة السيادة بفعالية وحكمة. التجربة العملية ستحدد إن كانت هذه الخطوة تؤكد نضج الدولة في إدارة أخطر الملفات، أم أنها ستفتح باب المخاطر في لحظة حرجة.
في النهاية، معركة العراق مع الإرهاب لم تعد معركة سلاح فقط، بل معركة إدارة وقانون وتوقيت. التفاصيل الدقيقة في هذا الملف، هي التي ستحدد الفارق بين القوة الحقيقية والمجازفة غير المحسوبة.
الصباح