عباس عبدالرزاق
لم تعد سوريا مجرد ساحة صراع عسكري أو سياسي، بل أصبحت مختبرًا لتحولات أعمق تتعلق بشكل الدولة والمجتمع والهوية. وفي هذا المختبر، يبدو أن السؤال المركزي لم يعد مرتبطًا بانتهاء تنظيم داعش، بل بإمكانية عودته في صيغة جديدة، أكثر مرونة وأكثر قدرة على التكيف مع الواقع.
الوقائع الميدانية: ما بعد الخطاب السياسي
يتسم الخطاب الدولي حول سوريا بنبرة تفاؤلية تتحدث عن مرحلة انتقالية واستقرار نسبي. غير أن هذا الخطاب يتناقض مع الوقائع الميدانية التي تشير إلى تحولات اجتماعية وثقافية عميقة. فالتضييق على بعض الممارسات الاجتماعية، وتراجع مساحة الحريات الفردية، وصعود خطاب ديني محافظ، كلها مؤشرات على عملية إعادة تشكيل للمجتمع السوري.
هذه التحولات لا يمكن فهمها بوصفها قرارات سياسية مركزية فحسب، بل بوصفها مسارًا تدريجيًا يتسلل إلى المجتمع بصمت، متجاوزًا أحيانًا إرادة السلطة الرسمية. وفي هذا السياق، يصبح السؤال عن النوايا أقل أهمية من قراءة النتائج.
هندسة الوعي من الأمن إلى العقيدة
إذا كان الأمن العسكري يشكل الوجه الظاهر للصراع، فإن المعركة الحقيقية تدور على مستوى الوعي. فانتشار الأدبيات السلفية والعقائدية على نطاق واسع يعكس محاولة لإعادة بناء منظومة الولاء والانتماء على أسس طائفية ودينية. في هذه البيئة، تتراجع الحدود بين الفصائل الإسلامية والجهادية، لتتحول إلى
اختلافات تكتيكية أكثر منها فكرية. وهو ما يفسر سهولة انتقال المقاتلين بين التنظيمات المختلفة. هنا يصبح الإرهاب ظاهرة بنيوية، لا مجرد حدث عسكري.
التناقض الغربي بين البراغماتية والواقع
في مقابل هذه الوقائع، يبرز خطاب سياسي غربي يميل إلى التفاؤل. تصريحات المبعوث الأمريكي توم برّاك حول إعجابه بالإدارة السورية الجديدة تعكس قراءة براغماتية تختزل المشهد السوري في معادلات جيوسياسية. و التجربة العراقية بعد 2003 تقدم نموذجًا واضحًا لهذا التناقض، حين أعلن بول بريمر نجاح المشروع السياسي قبل أن يغادر بغداد، تاركًا وراءه دولة هشة وصراعات مفتوحة. الفارق أن سوريا اليوم تشهد تفككًا بطيئًا بدلًا من انفجار سريع.
استراتيجية الألغام المؤجلة
يمكن وصف السياسة الأمريكية في الشرق الأوسط بأنها سياسة إدارة أزمات لا حلّها. إنها استراتيجية تقوم على خلق توازنات هشة، تشبه حقول ألغام مؤجلة، قابلة للانفجار في أي لحظة. ومن هنا يبرز سؤال اقتصادي–سياسي بالغ الأهمية: هل يمكن للشركات الأمريكية، ولا سيما النفطية منها، أن تستثمر في سوريا في ظل هذا الواقع؟ الواقع يشير إلى أن سوريا لا تزال بعيدة عن أن تكون بيئة استثمارية مستقرة، وأن رفع بعض القيود لا يعني توفر شروط الاستقرار الحقيقي.
بين إعلان الاستقرار وصناعته
المفارقة الكبرى في المشهد السوري تكمن في الفرق بين إعلان الاستقرار وصناعته. فالإرهاب لا يُهزم بالتصريحات السياسية، بل بتفكيك شروطه الاجتماعية والاقتصادية والعقائدية.
وإذا كانت هذه الشروط تُعاد صياغتها اليوم بصمت، فإن سوريا لا تخرج من مرحلة التطرف، بل تدخل مرحلة أكثر تعقيدًا منه. فداعش قد لا يعود بالاسم نفسه، لكنه قد يعود بالمنطق ذاته، في بيئة أكثر استعدادًا لاستقباله.
وفي هذا المعنى، لا تبدو سوريا متجهة نحو الاستقرار، بل نحو شكل جديد من الصراع، أقل صخبًا، لكنه أكثر عمقًا وخطورة.

