ضدّ التطرّف
موقف وطني سليم
كتابة: عماد أحمد
ترجمة: نرمين عثمان محمد/عن صحيفة كوردستاني نوى
إنّ الحديث والكتابة عن التطرّف موضوعٌ حسّاس ومهم، وقد يكون مدعاةً لاختلاف الآراء ووجهات النظر، لأنّ كلاً منا ينظر إلى هذا الملف من زاويته الخاصة، ووفق رؤيته ومصالحه المختلفة. ومع ذلك، أؤمن بأنّ إثبات الحقيقة وخدمة القضية الكردية يقتضيان إتاحة المجال لمختلف المواقف والآراء.
لقد هزّ الهجوم الوحشي الذي شنّته قوات أحمد الشرع، رئيس الإدارة السوريةالإنتقالية على روج آفا(غرب كوردستان)، وما رافقه من جرائم قتل بحق المدنيين من نساء وأطفال، وأعمال إرهابية ضد المواطنين ومعتقلي قوات سوريا الديمقراطية (قسد)، مشاعر ووجدان جميع الكورد في أجزاء كردستان الأربعة على وجه الخصوص، كما أثار قسماً كبيراً من الرأي العام العالمي. وعادت إلى الواجهة مجدداً صور الممارسات الدموية لتنظيم داعش، فانفتحت جراح الإنسانية العميقة، ودخل الجميع في حالة صدمة وقلق شديدين.
لا يمكن إنكار أنّ التاريخ الإسلامي شهد وجود تيارات متطرّفةً، فعلى سبيل المثال، من بين الخلفاء الراشدين الأربعة بعد النبي، استُشهد ثلاثة على أيدي متطرّفين، يضاف إلى ذلك الحروب الأهلية في العهود الأموية والعباسية والعثمانية، التي ارتُكبت خلالها عشرات أعمال العنف وسفك الدماء.
ومع كل ذلك، فإنّ الإسلام في جوهره ليس ديناً أو نهجاً متطرّفاً، غير أنّ تداخله مع السياسة، والسعي إلى الاستحواذ على السلطة والنفوذ، أدّيا إلى انحرافه وابتلائه بأمراض التطرّف.
ونحن الكورد، بوصفنا أمةً أغلبيتها الساحقة من المسلمين، عشنا داخل هذا المحيط السياسي والاجتماعي، ويخبرنا التاريخ بأنّ تجربتنا في التعايش والتسامح أغنى وأعمق من تجربة العنف، يكفي أن ننظر إلى عدد المساجد في إقليم كردستان، الذي يبلغ (5820) مسجداً، وهو رقم يقارب عدد المدارس، ويتجاوز بكثير عدد المستشفيات والمراكز الصحية. كما أنّ أعداد الكورد الذين يقصدون الديار المقدسة لأداء الحج والعمرة تعكس عمق الترابط بين الإنتماء الكوردي والإيمان والإسلام لدى شعبنا.
ويؤكد تاريخ كردستان نفس المفهوم ذاته، إذ إنّ رجال الدين والعلماء الكورد أسهموا في أكثر المراحل إشراقاً وازدهاراً في الأدب واللغة الكوردية، فالحُجرات الدينية لم تكن مجرد ملاذاً للعبادة، بل كانت أيضاً منابع لإنتاج الفكر والثقافة. وإلى جانب ذلك، قادت شخصيات دينية ثورات كوردستان في مراحل سابقة، مثل ثورة الشيخ عبيد الله النهري، والشيخ سعيد بيران، والشيخ عبد السلام بارزاني، والشيخ محمود، والقاضي محمد، والملا مصطفى البارزاني.
ويضاف إلى هؤلاء عشرات العلماء الكبار في الفقه والدين، أمثال ابن خلكان، ومولانا خالد، و(مه لای گەورەی كويه)، والشيخ معروف النودهي، وكاك أحمد الشيخ، والشيخ (محمد کرێپچنەیی)، والملا عبد الكريم المدرس، ومصطفى الزلمي، ومشايخ النقشبندية في منطقةبياره، وغيرهم كثير، ممن كان أغلبهم من أصحاب الرؤية العلمية والفقهية الإسلامية، وبعضهم من أعلام التصوف في العالم الإسلامي، وجميعهم يشكلون مصدر فخر كبير للكورد في تاريخ الإسلام والمنطقة والعالم.
ولا يمكن هنا إغفال ذكر صلاح الدين الأيوبي، الذي رفع راية الإسلام عالياً وحرر القدس، ورغم الجدل المستمر حول دوره القومي، فإنه قدّم الكورد إلى العالم.
ولا شكّ أنّنا نحن الكورد، ومن دون إرادتنا أو مصلحتنا، قُسّمت بلادنا بين أربع دول إسلامية، ونحن اليوم، بحكم الجغرافيا والقدر، نعيش في محيط إسلامي. لذلك، ليس من الصواب أن نعدّ جميع مسلمي العالم أعداءً لنا بسبب ممارسات طرف إسلامي متطرِف، صحيح أنّ بعض الجهات والأفراد يعادوننا باسم الإسلام، لكن هؤلاء لا يمثلون الإسلام الحقيقي ولا مرجعياته الكبرى، كالأزهر والنجف والعالم الإسلامي الأصيل.
في عام (1996)، وبرئاسة الراحل مام جلال، وعضوية كل من (فؤاد معصوم، وعدنان المفتي، ومصطفى السيد قادر، والملا ياسين، وعماد أحمد)، وبوصفنا وفداً رفيع المستوى عن الاتحاد الوطني الكردستاني، قمنا بزيارة القاهرة وفي إطار برنامجنا، زرنا الأزهر الشريف، والتقينا شيخ الأزهر آنذاك (محمد السيد طنطاوي)،وخلال اللقاء قال طنطاوي: (إنتم الكورد ومنذ سنوات طويلة كان لكم رواقاً مهماً في الأزهر، لكنه اليوم مهمل، فلماذا لا يُعاد إحياؤه والاستفادة منه؟)، والرواق، في العربية القديمة، يعني جناحاً مخصصاً لتدريس الفقه والشريعة، وقد كان مخصصاً للكورد، وقد أولى مام جلال هذه المسألة اهتماماً بالغاً، وطلب مساعدة الشيخ طنطاوي لإعادة تفعيل الرواق، لكن للأسف، لم يُعاد إحياؤه حتى اليوم.
كما أنّ المرجع الشيعي الأعلى السيد محسن الحكيم، في ستينيات القرن الماضي وخلال حكم عارف، حرّم الحرب ضد الكورد في العراق، وكل هذه موروثات نادرة وجميلة ينبغي الحفاظ عليها وتطويرها، ومن المهم إيجاد نقاط مشتركة بيننا وبين شعوب المنطقة، كي نتمكن من عبور هذه المرحلة بروح التسامح والسلام والتعايش المشترك.
وكما أنّ للكرد أصدقاء وداعمينَ كُثراً في العالم الغربي، يدافعون عن قيمنا النبيلة ويرفعون أصواتهم ضد الإبادة الجماعية التي نتعرض لها، فإنّ علينا بالمثل أن نطالب العالم الإسلامي بالدفاع عن قضيتنا العادلة، والتصدي للظلم والقهر الذي يمارس ضدنا، ولا سيما ما شهدناه في سوريا، وبالأخص في روج آفا(غرب كوردستان )، فهذه الممارسات لا تسيء إلى الحكومة السورية المؤقتة وحدها، بل تشكّل وصمة عار على جبين العالم، بما فيه العالم الإسلامي أيضاً.
وفي الختام، من الضروري أن ندرك نحن الكورد بأنّ المتطرّفين الإسلاميين لا يمثلون الدين الإسلامي الحنيف، تماماً كما أنّ المتطرّفين داخل المجتمع الكوردي لا يمثلون الشعب الكوردستاني المعتدل.
وفي هذا الزمن الذي يشهد تحولات متسارعة وغير متوقعة في عالم السياسة والعلاقات الدولية، فإنّ أفضل طريق لتحقيق أهداف شعبنا هو اتباع سياسة عقلانية، حكيمة، ومعتدلة في خطابنا وسلوكنا، ولا سيما أننا نعيش في مرحلة وجود ُعدوٍ واحِدٌ يعتبرُ كثيراَ والفُ صديق يعتبر قليلاً.

