كتب / محمد شيخ عثمان
((المرافعة لم تكن مجرد دفاع عن كركوك، بل دفاع عن فكرة العراق نفسها))
ليست كل الخطب التي تلقى في اللحظات المفصلية تاريخية بالمعنى العميق للكلمة، فالتاريخية لا تمنح للخطابات والمداخلات والبيانات لمجرد صدورها في توقيت حساس، بل تكتسب حين تصاغ السياسة بوصفها معرفة، وتدعم المواقف بالوثيقة والخريطة والمصدر، وحين يتحول الخطاب من انفعال سياسي الى حجة مؤسسة على وقائع لا تقبل الانكار.
بهذا المعنى، جاءت مرافعة الرئيس الراحل مام جلال ة امام مجلس الحكم العراقي في التاسع من شباط 2004 مرافعة تاريخية مكتملة الاركان، لا لكونها دفاعا عن قضية كردية فحسب، بل لانها اعادت تعريف اسس بناء الدولة العراقية نفسها، وربطت وحدة العراق باحترام شروط تاسيسه، لا بتجاهلها.
ان الظرف الذي القيت فيه المرافعة لا يقل اهمية عن مضمونها،ففي مرحلة ما بعد 2003، كانت هناك تفاهمات واضحة داخل مؤتمرات المعارضة العراقية، من فيننا الى صلاح الدين ولندن ،اقرت التوجه الكوردي باختيار الفيدرالية ضمن حدود الدولة العراقية وسيادتها وكذلك بوجود ظلم تاريخي لحق بكركوك والمناطق الكردستانية التي تعرضت لسياسات التعريب والترحيل القسري، واكدت ضرورة تصحيح الاوضاع غير الطبيعية التي فرضها النظام السابق، غير ان هذه التفاهمات بدأت تتعرض للتراجع والتسويف داخل مجلس الحكم، مع صعود خطاب يطالب بتجميد الملفات الحساسة باسم الاستقرار، وهو ما رآه مام جلال خطرا حقيقيا، ليس على الحقوق الكردية فقط، بل على منطق الشراكة الوطنية ذاته،ومن هنا جاءت المرافعة بوصفها تدخلا تصحيحيا في لحظة مفصلية.
-قضية حق لا مشروع ضم-
احد اكثر سوء الفهم شيوعا حول المرافعة انها كانت دعوة لضم كركوك الى اقليم كوردستان. والحقيقة ان مام جلال كان واضحا ومسؤولا الى اقصى الحدود، اذ اكد انه لا يطالب في تلك المرحلة بضم كركوك، بل بتصحيح نتائج سياسات استبدادية موثقة.
وقد حدد بشكل دقيق مسار الحل:
– اعادة الكرد والتركمان المرحلين قسرا.
– اعادة الوافدين الذين تم توطينهم في اطار التعريب الى مناطقهم الاصلية.
– تطبيع وتصحيح حدود المحافظة وغيرها التي تم احداث تغييرات عليها ضمن سياسات تطهير قومي وطائفي.
-اجراء احصاء سكاني مهني.
-تنظيم استفتاء حر يحدد فيه سكان كركوك مصير مدينتهم.
بهذا الطرح، نقل مام جلال قضية كركوك من كونها مادة للاستقطاب القومي الى نموذج للعدالة الانتقالية، وحل وطني يمنع الانقسام ولا يؤسس له.
-حين تتكلم الوثيقة وتحتكم الجغرافيا-
القوة الحقيقية للمرافعة لم تكن في اللغة، بل في الادلة، فقد قدم مام جلال امام مجلس الحكم وثائق عصبة الامم، وخرائط عثمانية رسمية، وكتبا معتمدة في الجغرافيا والتاريخ، مثل كتاب مشكلة الموصل وقاموس الاعلام، ليؤكد جملة من الحقائق الجوهرية:
-
ان حدود العراق التاريخية لم تتجاوز جبل حمرين
-
ان كوردستان تبدأ جغرافيا وسياسيا شمال هذا الخط
-
ان ولاية الموصل لم تكن جزءا من الدولة العراقية عند تاسيسها عام 1920
-
ان الحاق كوردستان الجنوبية بالعراق عام 1925 تم بقرار دولي مشروط
ومن اهم ما ورد في المرافعة، الاستشهاد بتصريحات ادمونز، ممثل بريطانيا في لجنة عصبة الامم، الذي اكد ان المساس بالهوية الكوردستانية لكركوك يعد انتهاكا صريحا للتعهدات الدولية، وان ذلك ينسف الاساس القانوني الذي ضمت بموجبه ولاية الموصل الى العراق.
(((من المرافعة الكردية الى الصرخة الوطنية)))
القراءة المتعمقة للمرافعة تكشف انها لم تكن صرخة كردية ضيقة، بل صرخة وطنية مسؤولة فالرئيس مام جلال لم يدافع عن كوردستان على حساب العراق، بل دافع عن العراق من خلال احترام كوردستان.
كان خطابه موجها الى شركائه في الحكم حين قال بوضوح ان وحدة العراق لا تصان بالقسر ولا بالانكار، بل بالاعتراف بالحقوق وتنفيذ التعهدات التي قامت عليها الدولة.
وقد ذكرهم بحقيقة اساسية: ان كوردستان اختارت الانضمام الى العراق، لا الى تركيا، وكان هذا الخيار مشروطا باحترام خصوصيتها القومية والادارية والثقافية.
(((مقومات تاسيس الدولة العراقية)))
لقد تجاوزت المرافعة ملف كركوك لتصل الى جوهر الدولة العراقية الحديثة حيث اعاد مام جلال التذكير بان:
-
معاهدة سيفر، في بنودها 62 و63 و64، اعترفت بحق الكرد في تقرير المصير.
-
الحكومتين العراقية والبريطانية اعترفتا رسميا عام 1922 بحق الكرد في تاسيس حكومة كوردستانية ضمن حدود العراق.
-
مراسلات الملك فيصل مع تشرشل حددت حدود الدولة العراقية عند جبل حمرين.
-
اللغة الكردية اقرت كلغة رسمية في المناطق الكردية بموجب قرارات دولية.
ومن هنا جاءت عبارته المفصلية التي لخصت جوهر المرافعة: بعد 82 عاما من حق الاستقلال، تناقشوننا اليوم على الفيدرالية؟
(((عن الضرورات الانية للمرافعة))


