«المرافعة الكبرى» حول كركوك
قراءة تاريخية وسياسية في خطاب مام جلال داخل مجلس الحكم العراقي (2004)
بقلم: عباس عبالرزاق
في التاسع من شباط 2004، وبين جدران مجلس الحكم العراقي، وقف مام جلال، زعيم المشروع الكردي الحديث، ليس فقط ليقدّم خطابًا سياسيًا، بل ليترك مرافعة تاريخية وفلسفية تُعيد تعريف النزاع على كركوك. كانت دقائق خطابه كافية لتذكير الجميع بأن كركوك ليست مجرد مدينة على الخريطة، بل مختبر للسلطة، الهوية، والذاكرة الجماعية في العراق الجديد بعد سقوط النظام السابق.
كركوك:
المدينة التي تتجاوز الجغرافيا
كركوك ليست مدينة عادية. فهي مرآة العراق المتعدد الإثنيات، حيث تتقاطع الروايات التاريخية:
الأكراد يرونها قلب كردستان التاريخية.
العرب يعتبرونها جزءًا من الدولة العراقية الموحدة.
التركمان يطالبون بحماية وجودهم السياسي والثقافي.
كل شارع في كركوك، وكل حي، يحكي صراعًا بين القانون والسيادة، بين الواقع والتاريخ. وهنا تكمن أهمية خطاب مام جلال: لم يكن مجرد كلمة، بل إعلان فلسفي: الهوية ليست مجرد اسم على الخريطة، بل قوة سياسية قادرة على إعادة كتابة التاريخ.
المرافعة كأداة قوة سياسية
مام جلال لم يكتفِ بإلقاء خطاب عام، بل استخدم الوثائق التاريخية كسلاح سياسي واستراتيجي.
خرائط عثمانية قديمة تُظهر التوزيع السكاني الكردي.
إحصاءات أجنبية وسجلات الدولة العراقية تُظهر عمليات التعريب القسري.
شهادات السكان وذكريات المجتمعات المحلية تؤكد رواية الأحقية التاريخية.
هنا يكمن البعد الفلسفي للمرافعة: الذاكرة الجماعية تتحول إلى سلطة سياسية، وأي قوة مركزية، مهما امتلكت من قوانين، قد لا تستطيع مواجهة هذه السلطة الرمزية.
بين التاريخ والقانون
المرافعة كشفت مفارقة الدولة العراقية:
المادة 140 من الدستور العراقي كانت واضحة في النص: تطبيع، إحصاء، واستفتاء.
لكنها لم تُنفذ على الأرض، بسبب تضارب المصالح بين بغداد، أربيل، والفصائل المحلية.
مام جلال، بخطابه، حول التاريخ إلى مرجعية أخلاقية وسياسية تتحدى أي قانون لا يُطبق. وهذا يعكس حقيقة فلسفية: القوة الرمزية للحق التاريخي قد تتجاوز سلطة القانون المكتوب، خاصة في الدول الهشة.
البعد الرمزي
والفلسفي للمرافعة
الخطاب لم يكن مجرد خطاب سياسي تقليدي، بل درس فلسفي في القوة، الذاكرة، والهوية:
1. الذاكرة كأداة قوة: الوثائق والتاريخ يُستخدمان لتثبيت الحقوق.
2. الرواية الجماعية تتجاوز الدولة: أي نص قانوني ضعيف أمام قوة الهوية الجماعية.
3. الرموز تصنع السلطة: مام جلال أصبح رمزًا لتوحيد الهوية الكردية والمطالبة بحقوقها في كركوك.
التحدي الإقليمي والدولي
مرافعة مام جلال لم تحدث في فراغ. التدخل الإقليمي والدولي شكل الخلفية الاستراتيجية للخطاب:
تركيا: تراقب أي تحرك كردي قد يؤثر على الداخل التركي.
إيران: تدعم بغداد لضمان النفوذ الإقليمي.
الولايات المتحدة: داعمة للنصوص القانونية، لكنها توازن مصالحها بين الأطراف.
هذا المزيج من القوى جعل كركوك ساحة معقدة للصراع بين القانون، القوة، والهوية، ورفع من أهمية الخطاب الرمزي أمام مجرد القانون المكتوب.
دروس استراتيجية وفلسفية
1. المدن متعددة الهوية تختبر هشاشة الدولة: كركوك نموذج حي.
2. القانون وحده لا يكفي: أي نص دستوري يحتاج قوة سياسية حقيقية ليُطبق.
3. الرواية والذاكرة أسلحة استراتيجية: الهوية الجماعية يمكن أن تعيد صياغة السلطة على الأرض.
4. النفط والموارد الاقتصادية مضاعف للصراع: السيطرة على الموارد تعني النفوذ والقدرة على التأثير.
المرافعة اليوم:
انعكاسات مستمرة
بعد أكثر من عقدين على الخطاب، تستمر مرافعة مام جلال في التأثير على: السياسة العراقية الداخلية.
التوازن بين بغداد وأربيل. الصراع الرمزي على الرواية التاريخية. التحديات الإقليمية والدولية.
كركوك اليوم ليست مجرد نزاع محلي، بل نموذج عالمي لفهم العلاقة بين التاريخ، القانون، والهوية في مناطق الصراعات المعقدة.
المدينة كدرس عالمي
مرافعة مام جلال في كركوك تعلمنا أن: “التاريخ ليس ما حدث فقط، بل ما يُروى ويُستشهد به، وما يُستخدم لإعادة رسم الحدود والهوية”. كركوك ليست مجرد مدينة، بل مختبر عالمي للصراع على السلطة، القانون، والذاكرة، ودراسة هذه المرافعة تعطي دروسًا لكل محلل سياسي، مفكر استراتيجي، أو ناشط يسعى لفهم ديناميات القوة في الشرق الأوسط.

