كتابة: بورهان أمين
ترجمة: نرمين عثمان محمد / عن صحيفة كوردستاني نوى
أثار نشر ملايين الوثائق المرتبطة بملف الفضيحة المخزية لجيفري إيبستين صدمةً في العالم أجمع، سواء من حيث حجم الانتهاكات والجرائم، أم من حيث ذلك الصمت المذهل الذي أبداه العالم إزاءها طوال كل تلك السنوات. إن ثلاثة ملايين صفحة، لا تزال نتائج ما ورد فيها من جرائم غير واضحة حتى الآن، قد أطلقت في المقابل فوضى سياسية وإعلامية واسعة النطاق.
هذه الكمية الهائلة من البيانات أثارت الشك لدى بعض الناس، فيما نظر إليها آخرون بوصفها نوعًا من الشفافية الزائفة. وكل فرد أو جهة أو مؤسسة يفسّرها على طريقته. لقد وُضع الرأي العام أمام بحرٍ من المعلومات والوثائق، لكنه وجد نفسه عاجزًا ومشلولاً، الأمر الذي أدى إلى عدم استيعاب الأبعاد الكاملة لهذه الفضيحة. ومن بين تداعيات هذا الواقع ضياع حقوق الضحايا الحقيقيين وسط ملايين البيانات، التي قد تُستخدم بصورة انتقائية لخدمة أجندات خاصة، بينما يُهمَّش الضحايا أنفسهم.
وكل ذلك يضع علامة استفهام كبيرة على جزء من النخب الحاكمة على مستوى العالم. وإلا، فلماذا لم يعترف أيٌّ من هذا العدد الكبير من المتهمين؟ ولماذا لم تمتلئ الشوارع بالمظاهرات والاحتجاجات والمسيرات الرافضة؟
إن جنحة إيبستين الكبيرة، فضلاً عن كشفه جريمةً ممنهجة وخطيرة بحق الأطفال، عرّى أيضًا طبيعة بعض الرأسماليين العالميين والشخصيات النافذة وأصحاب السلطة الكبار، الذين تمسكوا اليوم بزمام السياسة العالمية وقيم حقوق الإنسان وحتى حق البقاء في فضاء الحياة، بأيدي قلةٍ شهوانيةٍ عديمة الأخلاق تقف على قمم هرم السلطة.
وقد تبيّن بوضوح أن الرأي العام ووسائل الإعلام والمحاكم وسواها، ظلّت أسيرة الخوف من أصحاب النفوذ، وهو ما يفسّر بقاء هذه الفضيحة طيّ الكتمان كل تلك السنوات. إن معظم الأطفال الذين وقعوا ضحايا ينتمون إلى عائلات فقيرة، أو إلى بيئات اجتماعية هشّة لم تحظَ بالنجاح أو الحماية، بل خُدعوا وسُرقت منهم طفولتهم، وهو ما يُعدّ جريمة أخرى يتحمّل المجتمع والسلطات جزءًا من مسؤوليتها.
هذه المعادلة تكشف أن السلطة تجعل شريحة من المجتمع جائعة ومعدمة، لتستغل لاحقًا أطفالها في إشباع رغباتها الجنسية، ثم تحرمهم حتى من أبسط حقوقهم، لأن تلك الفئة تعلّمت أن تجد لذّتها في إلحاق الأذى بالآخرين.
ورغم أن الكونغرس الأمريكي حدّد مهلةً لكشف الحقيقة كاملةً وتسويتها، إلا أنه – كما هو متوقَّع – لا يُرجَّح أن تفضي هذه الخطوة إلى نتائج حقيقية تُذكر. وستظل الطبقة الحاكمة، ومن يُنظَر إليهم كأنهم “مُقدَّسون”، مسجَّلين في ضمير الإنسانية بوصفهم فاسدين ومجرمين ومنذرين بخرابٍ أخلاقي، من دون أن ينالوا عقابًا قانونيًا، أو يُعامَلوا كما يُعامَل مجرمو الطبقات الدنيا ويُزَجّ بهم في السجون.