عباس عبدالرزاق
حين جلس الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون إلى قائد «قوات سوريا الديمقراطية» مظلوم عبدي على هامش مؤتمر ميونيخ للأمن، بدا المشهد للوهلة الأولى استمراراً طبيعياً لشراكة أمنية قائمة منذ سنوات. غير أن القراءة المتأنية تكشف شيئاً أعمق: أوروبا لا تدير حلاً في سوريا، بل تدير عجزها عن إنتاجه.
لقد تحولت المقاربة الأوروبية من خطاب القيم إلى خطاب الاحتواء. لم يعد الحديث عن انتقال سياسي، أو إعادة بناء الدولة، أو حتى عن عدالة ما بعد الحرب. أصبح الهدف أكثر تواضعاً: منع الانهيار الكامل. وهذا التحول ليس تكتيكاً عابراً، بل تعبير عن انكماش استراتيجي واسع.
من الطموح إلى التحوّط
في السنوات الأولى من الصراع، رفعت العواصم الأوروبية شعارات كبرى عن مستقبل سوريا. اليوم، تراجعت اللغة إلى مفردات تقنية: مكافحة الإرهاب، إدارة المخيمات، منع الفراغ الأمني.
إنه انتقال من مشروع سياسي إلى وظيفة أمنية.
ومن تصور للمستقبل إلى إدارة للحاضر المأزوم.
لقاء ميونيخ لم يحمل رؤية جديدة، بل أعاد تثبيت واقع قائم: «قسد» شريك أمني ضروري، لا أكثر ولا أقل. أما السؤال السياسي – شكل الدولة، توزيع السلطة، العقد الاجتماعي السوري – فقد أُرجئ مرة أخرى.
أخلاق الاستقرار أم براغماتية الخوف؟
تقدم أوروبا دعمها بوصفه دفاعاً عن الاستقرار. لكن أي استقرار تقصد؟ الاستقرار بوصفه قيمة أخلاقية يفترض معالجة جذور الصراع. أما الاستقرار بوصفه آلية ضبط، فيكفيه أن يجمّد الصراع ويمنع امتداده. الفرق بين الاثنين هو الفرق بين العدالة والإدارة. وأوروبا اختارت الإدارة.
هذا الاختيار مفهوم في حسابات الأمن، لكنه مكلف أخلاقياً وسياسياً. فهو يكرّس وضعاً انتقالياً دائماً، ويحول مناطق بأكملها إلى فضاءات معلقة بين الحرب والسلام.
التناقض التركي: اختبار الصدقية
تتحدث باريس عن شراكة أمنية مع «قسد»، فيما تحافظ على توازن حساس مع أنقرة. هذا التعايش مع التناقض قد يكون ضرورة واقعية، لكنه يكشف حدود الإرادة الأوروبية. فحين تصبح السياسة مجرد فن لتجنب إغضاب الجميع، تفقد قدرتها على صياغة اتجاه واضح. و النتيجة ليست توازناً مستقراً، بل هشاشة مزمنة.
سوريا كمختبر لانحسار أوروبا
ربما لا تكمن دلالة اللقاء في ما قيل فيه، بل في ما لم يُقل.
لم يُطرح مشروع سياسي جديد.
لم تُطرح مبادرة تسوية شاملة.
لم تُطرح رؤية لإعادة بناء الدولة السورية.
ذلك لأن أوروبا لم تعد فاعلاً قادراً على فرض الإيقاع، بل طرفاً يحاول ألا يُستبعد من المعادلة. حضورها في شمال شرقي سوريا أشبه بـ«حراسة موقع» بانتظار تسويات تُطبخ في أماكن أخرى. إنها سياسة البقاء داخل المشهد، لا سياسة قيادته.
بين الضرورة والقصور
لا يمكن إنكار أن منع عودة «داعش» ضرورة حقيقية، وأن انهيار الوضع في الشمال الشرقي قد يطلق موجة فوضى جديدة. لكن تحويل الضرورة الأمنية إلى سقف نهائي للسياسة يعني القبول بأفق منخفض الطموح.
هنا تكمن المشكلة: حين تتحول إدارة الأزمة إلى بديل عن حلها، يصبح التأجيل استراتيجية دائمة.
لقاء ميونيخ يجسد هذه المفارقة. إنه ضروري… لكنه غير كافٍ. واقعي… لكنه يفتقر إلى الجرأة السياسية. يؤكد الشراكة… لكنه لا يؤسس لمستقبل.
سؤال اللحظة الأوروبية

