(فرست عبدالرحمن مصطفى)
في خطوة تؤكد التزام حكومة إقليم كوردستان بالتطوّر، ليس في التكنولوجيا ولا في الخدمات بل في الأسعار فقط… كشفت التعرفة الجديدة للكهرباء عن مستوى من الإبداع المالي يستحق جائزة نوبل للصدمات.
فوفقاً للبيانات الرسمية يبدأ السعر بـ 72 ديناراً للكيلوواط لمن يستهلك بين 1–400KW وهو سعر يوصف عادة بأنه “تشجيعي”، رغم أن الشيء الوحيد الذي يشجعه هو تعليم المواطن مهارة العيش في الظلام دون أن يشعر بالذنب.
ومع انتعاش الاستهلاك قليلاً إلى 401–800KW تقرر الحكومة مكافأة المواطن برفع السعر إلى 108 دينار كخطوة تؤكد أن سياسة الإقليم قائمة على مبدأ “استهلك أكثر… تدفعك أكثر… تفكر أقل.”
أما المستهلكون الذين يتجاوزون 801–1300KW فهؤلاء يعتبرون فئة خاصة فالسعر يقفز إلى 175 ديناراً. وهذه الشريحة عادة تضم العائلات التي ما زالت تؤمن بأن تشغيل الثلاجة والغسالة والدفاية في نفس اليوم ليست جريمة وطنية.
لكن الذروة الحقيقية للتحديث تظهر عند الاستهلاك بين 1301–1500KW حين يصل السعر إلى 265 ديناراً وهي تعرفة يمكن وصفها بأنها “خيار ممتاز لمن يحب التجارب القريبة من السكتة القلبية”.
أما العملاء الفخمة أي الذين يستهلكون أكثر من 1500KW فيُقدم لهم السعر الراقي 350 ديناراً للكيلوواط. وتعليقاً على هذا السعر أكد مصدر متخيّل أن الحكومة تستعد لإضافة خدمة جديدة “إحساس VIP أثناء دفع الفاتورة.”
وبينما ينهار المواطن أمام أرقام الإقليم يكاد لا يصدق أن السعر في بقية العراق لا يزال 10 دنانير فقط للكيلوواط.
نعم… عشرة.
رقم لا يليق حتى بثمن قطعة حلوى لكنه هناك يكفي لتشغيل أجهزة منزلية كاملة… دون الشعور بأنك ترتكب خطأ اقتصادياً.
وبينما تتنقّل هذه الأرقام بين الجداول الرسمية يخرج المسؤولون في الإقليم بتصريحات ثابتة لا تتغير منذ أكثر من عقد
“نحن ندعم الكهرباء.”
“نظامنا الأفضل في المنطقة.”
“نواكب التطورات العالمية.”
ويبدو أن التطور الوحيد الذي تتم مواكبته فعلياً هو تطور طريقة رفع الأسعار مرة بالابتسامة ومرة بالتبريرات ومرة بتحميل المواطن مسؤولية أنه لا يفهم “التحديات”.
على الجانب الآخر يعيش المواطن حالة روحية خاصة، فهو يشاهد مؤتمراً عن الإنجازات في النهار ثم يشاهد عداد الكهرباء في الليل وهو يجري بسرعة تليق بمشاركته في الألعاب الأولمبية.
وإذا حاول الاعتراض يجد نفسه في مواجهة أقوى حجّة حكومية “إذا لم يعجبك السعر… خفف الاستهلاك.”
وهي جملة لا تختلف كثيراً عن نصيحة “إذا كانت الحياة صعبة… حاول ألا تعيش كثيراً.”
الطريف المبكي أن استهلاك 1500KW يكلف المواطن في بقية العراق 15,000 دينار فقط بينما في الإقليم…
لا، لا نريد إزعاج القارئ بالأرقام الثقيلة لكن دعنا نقول إنها أكثر من 321,000 دينار فقط… وبدون حزام أمان.
وفي الختام عزيزي القاريء، بينما يدخل العالم عصر الطاقة المتجددة، يدخل المواطن في الإقليم عصر التحمل المتجدد.
فما بين وعود الرفاهية وواقع الفواتير يبقى السؤال الصحفي المفتوح:-
هل المشكلة في الكهرباء… أم في من يشغّلها؟
الإجابة بطبيعة الحال تأتي مع الفاتورة القادمة.