[6:52 م، 2026/2/14] سوران اعلام: كتابة: هيوا محمد
ترجمة: نرمين عثمان محمد /عن صحيفة كوردستاني نوى
إذا ألقينا نظرة محايدة على واقع الشرق الأوسط، سنجد مشاهد كثيرة غير مألوفة: وقائع صادمة، وممارسات بعيدة عن الأخلاق السياسية، ونقض للعهود، وخيانة في السلوك السياسي، وغلبة منطق القوة، ومحاولات فرض المصالح على حساب الضعفاء، وإيذاء هؤلاء وقتلهم وإقصاؤهم، والإتيان بشخصٍ مطلوب بتهم إرهابية وتنصيبه رئيساً، ووسم نضال شعبٍ بأكمله بالإرهاب، وتدمير مدينة مثل غزة وإزاحتها من الخريطة الجغرافية، وإنشاء مجلس وصاية دولي يتولى الرئيس الأميركي الإشراف عليه مباشرة، وشلّ مسار السلام الحقيقي في تركيا، وإطلاق تهديدات شوفينية صريحة ضد الإقليم بذريعة نزع سلاح حزب العمال الكردستاني (في ظل ما يُسمّى بعملية السلام)، والإصرار على تجريد حزب الله وحماس من السلاح وإنهاء القوى التي كانت قائمة.
مجلس لحماية إسرائيل
إنّ كل ما تقدّم يصبّ في مصلحة إسرائيل، التي تُعدّ (أفضل وأوثق حليف) للولايات الأمريكية المتحدة.
السيناريوهات في هذا السوق السياسي كثيرة. فالولايات الاْمريكيةالمتحدة، من أجل إنشاء مجلس لحماية إسرائيل، تعتمد على دول المنطقة، وفي مقدمتها حلفاؤها الأقرب.
فتركيا، بالنسبة إلى واشنطن، هي الدولة الأكثر نشاطاً وقوة في المنطقة، وعضو في حلف شمال الأطلسي (الناتو). أما السعودية، فلا يكاد يُذكر أنها، في الولاية الثانية لترامب، ضخت مئات المليارات في خدمة المصالح الأميركية عبر ولي عهدها. والأردن ودول الخليج الأخرى، لكلٍ منها مستوى من الصداقة مع الولايات الأمريكية المتحدة، ما ينعكس بصورة غير مباشرة استقراراً وتحسّناً في علاقاتها مع إسرائيل.
إنّ هذه التحركات في هذا المحور غير المعلن (الولايات الامريكية المتحدة، إسرائيل، والدول الإسلامية السنيّة) تهدف إلى تنفيذ خريطة طريق عنوانها: (إقصاء إيران وفق حساباتهم الخاصة).
يريدون إبقاء ملف الحوثيين واليمن مفتوحاً
ورغم كل ذلك، يُترك ملف اليمن والحوثيين عالقاً، فالولايات المتحدة، إن أرادت، تستطيع إنهاءه سريعاً، لكنها لا تفعل، لأنها تريد الاحتفاظ بورقة ضغط دائمة على السعودية، خشية أن تعيد الأخيرة حساباتها وتتجه نحو الصين أو روسيا، ومن خلال ورقة اليمن والحوثيين، تُبقيها مضطرة إلى إبقاء أنظارها نحو واشنطن. في حين أنّ إيران لم تعد تملك التأثير السابق نفسه على الحوثيين، ولم تعد مساعداتها كما كانت قبل عامين.
لقد كان لإيران حضور فعلي، مباشر أو غير مباشر، في كل من سوريا ولبنان وغزة، ولهذا سعت الولايات المتحدة وإسرائيل إلى قطع ما أسمتاه «أجنحة إيران في المنطقة». غير أنّ هذا الحضور تراجع بعد زوال نظام الأسد، فلم يعد لإيران وجود عسكري أو سياسي مؤثر في سوريا. كما أُضعف حزب الله بشكل كبير، وقُضي على معظم قواه الرئيسية وقُتل كبار قادته، وقُطعت يد حماس في غزة، وقُتل قادتها كذلك. وهكذا لم يضعف دور إيران فحسب، بل ضعفت هذه القوى ذاتها في الميدان. وبناءً عليه، يمكن القول إنّ خطراً كبيراً من جانب إيران على إسرائيل والمصالح الأميركية لم يعد قائماً في المنطقة. لكن، لماذا إذن باتت مواقف إسرائيل والولايات الأمريكية المتحدة أكثر حدّة وتهديداً مما كانت عليه سابقاً في المنطقة؟
نظرة إلى الخريطة
عند قراءة هذا الموضوع، يجدر بنا النظر إلى خريطة الشرق الأوسط لفهم أعمق.
فالولايات الأمريكية المتحدة لا تسمح بترجيح كفة ميزان القوى في المنطقة لصالح دولة بعينها بل تريد أن تبقى جميع الأطراف بحاجة إليها، وألا تنخرط المنطقةفي مواجهة إسرائيل.
وفي هذا السياق، تخشى واشنطن صعود الشيعة، وتستثمر في الخلاف الدموي بين المذهبين الرئيسيين في الإسلام (الشيعة والسنّة)، فتعزز صداقاتها مع الأطراف السنيّة بأجنحتها المختلفة، وهي لا تستطيع اعتبار إيران حليفاً قريباً وخاضعاً لها، كما تدرك أن السعودية وتركيا لا تجلسان على مائدة واحدة، وإن كانتا تلتقيان في سقف التوجّه السني. وقد انحرف أحمد الشرع، في نظر السعودية، عن نمطها الإسلامي التقليدي وهو من القيادات السابقة المرتبطة بتنظيم داعش.
وقد فرضت الأردن حصاراً على الإخوان وأغلقت مؤسساتهم وبنوكهم، بينما تُعدّ تركيا مركز احتضانهم، ومع ذلك جرى القضاء عليهم علناً في مصر وغزة أمام ناظري تركيا من دون أن تستطيع أن تفعل شيئاً.
الولايات المتحدة تنتهج سياسة شبيهة بسياسةصدام حسين
خلال الحرب العراقية – الإيرانية، كان الديكتاتور صدام حسين يردد أن كل شيء يجري (في سبيل القادسية)، في إشارة إلى المعركة التاريخية بين الفرس والمسلمين الأوائل، وقد قدّم نفسه بطلاً لها.
وكان يرى أن على الجميع، مهما اختلفت مذاهبهم وأديانهم وقومياتهم وأعراقهم، أن يشاركوا في تحقيق نصره، حتى إنه دعا الناس إلى التبرع بذهب نسائهم دعماً للحرب.
اليوم، تنتهج الولايات الأمريكية المتحدة سياسة مشابهة فهي تقول: (كل شيء في سبيل القضاء على إيران). ولهذا تحتضن التيارات السنيّة المختلفة وتوظفها لتنفيذ خريطة طريق هدفها حماية إسرائيل على المدى البعيد.
فواشنطن تدرك أن إيران لم تعد تمثل الخطر السابق، وأنها حتى لو تُركت وشأنها فلن تُقدم على تهديد مباشر أو غير مباشر أو إطلاق صواريخ، لكن حين أُدخلت في هذا السيناريو، طُرحت شروط على الدول المنفذة للخطة الأميركية، ومنها تركيا وسوريا، ولا سيما في المسألة الكوردية.
أحمدالشرع أفضل لهم من الكورد
إنّ الحكم الحالي في سوريا يُعدُ، أفضل حامٍ لإسرائيل ولسكان ذلك البلد منذ زوال الأسد وتراجع النفوذ الإيراني فالناس هناك ينامون بطمأنينة، ليس هذا فقط بل أن إسرائيل أحكمت سيطرتها الكاملة على حدودها مع سوريا.
ومن الخطأ القاتل الاعتقاد بأن سوريا الحالية لن تعادي الكورد ،فهذه النخبة الحاكمة، المتأثرة بالقوميين الأتراك، حملت منذ البداية توجهاً معادياً للكورد. وقد طُرح ذلك كشرط أمام الولايات الأمريكية المتحدة، أي المشاركة في إضعاف «صعود الشيعة» مقابل تنفيذ مطالبهم. وقد رأينا تطبيق هذا التوجه في روجآفا(غرب كوردستان)، وما يُعرض اليوم بوصفه اتف
[6:52 م، 2026/2/14] سوران اعلام: وما يُعرض اليوم بوصفه اتفاقاً كان يُنتظر أن يكون أوسع بكثير.
وإذا كانت دمشق تعدّ ذلك انتصاراً لها، فإنه بالنسبة إلينا نحن الكورد لا يحقق سوى جزء محدود من مطالبنا. أما تركيا فتبدي رضاً واضحاً، وترى في هذا «النجاح» نموذجاً يمكن تطبيقه في شمال العراق أيضاً، إذا لم تتعامل الحكومة العراقية بحكمة مع وجود حزب العمال الكردستاني في العراق، وبذلك تُطرح معالجة القضية الكوردية في سوريا الآن وفق مصالحهم ورؤيتهم.
النجاح ليس في الوحدة وحدها
صحيح عندما نقول أن نجاح أية أُمةٍ أوأي شعب في تحقيق أهدافه يتطلب الوحدة، لكن في الظروف الراهنة ينبغي أن تستند هذه الوحدة إلى سند دولي قوي، ولا سيما بالنسبة للكورد الذين يواجهون إشكالات مع أربع دول.
فشعب أفغانستان، رغم تدينه الشديد، لكنه خضع بالقوة لاحتلال الجيش الأحمر السوفييتي، ذي الفكر الشيوعي و الديانةالمسيحية، وانضم مئات الآلاف إلى صفوفه، ثم خضع لاحقاً للوجود الأميركي المسيحي الذي استمر عشرين عاماً. ولم يكن ذلك نتيجة انعدام الوحدة، بل بسبب غياب سندٍ داعم في مواجهة قوة فارضة.
وإذا سلّمنا بأن القوى الكبرى تسعى وراء مصالحها، فعلينا نحن أيضاً أن نؤمّن بقاءنا وتقدمنا عبر تأمين مصالح تلك القوى والتوصل معها إلى اتفاقات سياسية، لا أمنية. فلا يجوز أن يكون جزء من الكورد حليفاً للشيعة وجزء آخر لحلفاء سنّة متشددين، أو أن ينقسموا بين روسيا والولايات الأمريكية المتحدة، فهاتان القوتان لا تلتقيان، وفي حال الانقسام سنحترق في الوسط ونغدو مجرد حراس لمصالح الآخرين.
والكورد في هذه المنطقة يجب عليهم قبل تحقيق الوحدة السياسية عبر الأحزاب(ويمكن أن يتحد الشارع الكوردي من أجل الحس القومي أسرع وحتى من دون الأحزاب السياسية )، إبرام تفاهم مع قوة كبرى، دولية أو إقليمية، مقابل تثبيت كيان معترف به. وكما تفعل دول الخليج بمنح حصص من ثرواتها، علينا أن نوظف ثرواتنا لضمان بقائنا. وإلا فإنّ الوحدة التي نتحدث عنها هنا وهناك لن تصمد، مهما بدت صلبة.
ومن المحتمل أن تتفاقم علينا الأخطار وتعم جزءاً كبيراً من المنطقة إذا استمر التوتر بين إيران والتهديدات الأميركية – الإسرائيلية. لذا، من الأفضل لقيادات الأحزاب الكوردية أن تفكر معاً في كيفية إدارة هذا المناخ بما يضمن بقاء الكيان، عبر حماية مصالح الطرفين. وحتى إن تعزز ارتباطنا بالعراق بصورة أوثق، فإن ذلك قد يضمن بقاءنا، كي لا يُفرض علينا وضع شبيه بما جرى في روجآفا(غرب كوردستان).
كي لا نفقد قواتنا المسلحة
إنّ دول الجوار لا ترضى بأن نكون كياناً مستقلاً جزئياً داخل العراق، وتعترض على امتلاكنا عشرات الآلاف من المقاتلين المستقلين، ولكن للحفاظ على هذه القوات، ينبغي توثيق علاقاتنا مع بغداد، وألا نتحول إلى أداة لأجندات خارجية تُستعمل لتفكيك هذا الكيان.
فما تريده تلك الأطراف هو دمجنا في العراق، وفي حكومته وجيشه، وهو ما يعني عملياً تجريدنا من السلاح وحلّ قوتنا الخاصة.
اشترك في نشرتنا الإلكترونية مجاناً
اشترك في نشرتنا الإلكترونية مجاناً.

