النظام الدولي الجديد:
تعددية قطبية، صراع النفوذ،
وتأثير التحولات على الشرق الأوسط والعراق
عباس عبدالرزاق
يشهد النظام الدولي اليوم مرحلة انتقالية عميقة بين حقبة الهيمنة الأمريكية الأحادية ومرحلة تعددية قطبية صراعية. بينما تتراجع فعالية المؤسسات الليبرالية المتعددة الأطراف، يظهر صعود القوى الكبرى كعامل رئيسي في إعادة تشكيل التوازنات العالمية.
السياسات المتشددة للولايات المتحدة، مع التحولات الاستراتيجية لكل من روسيا والصين، والضعف النسبي في أوروبا، أعادت تعريف العلاقة بين القوة والسياسة والاقتصاد.
في هذا السياق، يصبح الشرق الأوسط ساحة حيوية لتجسيد هذه التحولات، فيما يواجه العراق تحديات وفرصاً في قلب هذه الصراعات الإقليمية والدولية.
الإطار النظري:
الليبرالية الدولية في مواجهة التعددية الصراعية
تقدم المدرسة الليبرالية تفسيراً محورياً لفهم النظام الدولي الحالي. فهي ترى أن المؤسسات والقواعد والاعتماد المتبادل يمكن أن يقلل من احتمالات الصراع ويخلق استقراراً نسبياً. الافتراض الأساسي: التعاون الدولي ممكن ومفيد، حتى بين القوى الكبرى.
المؤسسات الدولية: الأمم المتحدة والمنظمات الاقتصادية تعمل كأطر للحد من الفوضى، لكنها تواجه قيوداً في ظل الانقسامات الاستراتيجية. الاعتماد الاقتصادي: التجارة والاستثمارات المتبادلة تجعل الحرب مكلفة وغير مرغوبة. الديمقراطية والسلام: الانتشار الديمقراطي يعزز التعايش، لكنه لم يمنع قوى مثل روسيا أو الصين من تحدي قواعد النظام.
في عصر تعددية القطبية الحالي، تظهر الليبرالية كنقطة مرجعية لفهم إمكانات التعاون، لكنها تعاني من تراجع النفوذ الفعلي أمام منطق القوة والصفقات الثنائية.
الولايات المتحدة: إعادة تعريف النفوذ وليس الإمبراطورية
رغم انتهاء مرحلة الهيمنة الأحادية، تحافظ الولايات المتحدة على دور مؤثر عبر أدوات النفوذ الاقتصادي والسياسي. سياسات دونالد ترامب لم تكن مجرد انحراف عن الليبرالية، بل تعكس تحولاً نحو الواقعية العملية: التركيز على مناطق النفوذ الحيوية، وخاصة نصف الكرة الغربي. استخدام القوة الاقتصادية والضغط السياسي بدل الالتزامات العسكرية التقليدية.
إدارة التحالفات عبر الصفقات والشراكات الشخصية، وليس عبر المؤسسات الدولية فقط.
تُظهر هذه السياسات أن الولايات المتحدة لم تنه النظام الدولي، لكنها سرّعت انتقاله إلى مرحلة تنافسية متعددة الأقطاب.
روسيا:
قوة مراجِعة للهيكل الأمني العالمي
تركز موسكو على إعادة رسم التوازنات في فضائها الإقليمي بعد انهيار الاتحاد السوفيتي، مع الحفاظ على القدرة على تعطيل سياسات القوى الكبرى:
1. إعادة تعريف المجال الأمني: منع توسع الناتو وتأمين مناطق نفوذ استراتيجية.
2. الاعتراف بالقوة النووية: فرض الاعتراف الروسي كقوة لا يمكن تجاهلها في التفاعلات الدولية.
3. تعطيل النظام أكثر من بنائه: روسيا لا تملك موارد كافية لإمبراطورية اقتصادية شاملة، لكنها تستطيع التأثير في مسار الأحداث العالمية.
هذا يجعل روسيا قوة “مراجعة” أكثر من كونها قوة توسعية تقليدية، مع قدرة على تحدي الهيمنة الغربية وإعادة صياغة ميزان القوى.
الصين:
إعادة تشكيل النظام عبر الاقتصاد والتكنولوجيا
تسعى الصين إلى تعديل قواعد اللعبة العالمية بطريقة تدريجية:
الملف المركزي: تايوان، حيث تستخدم الصين الضغط السياسي والاقتصادي بدل المواجهة العسكرية المباشرة.
الاقتصاد وسلاسل التوريد: الصين تبني نفوذها من خلال السيطرة على شبكات التبادل التجاري والتكنولوجي.
التغيير الداخلي للنظام الدولي: الهدف ليس تعطيل النظام العالمي بل إعادة صياغة قواعده بما يخدم مصالحها الطويلة الأمد.
الصين تمثل القوة الأكثر صبراً وتخطيطاً، قادرة على الانتظار حتى تتحقق أهدافها ضمن النظام الحالي.
أوروبا:
القوة الاقتصادية بلا إرادة استراتيجية
بينما تحتفظ الاتحاد الأوروبي بأهمية اقتصادية وتنظيمية هائلة، فإن غياب الإرادة السياسية الموحدة والاعتماد على الولايات المتحدة في الأمن يقلل من قدرتها على التأثير الجيوسياسي المباشر:
نقاط القوة: أكبر كتلة اقتصادية، قوة تنظيمية قادرة على صياغة قواعد التجارة والتكنولوجيا.
نقاط الضعف: انقسامات استراتيجية، اعتماد أمني على واشنطن، تردد في التحول إلى قوة عسكرية مستقلة.
أوروبا أمام خيار حاسم: التحول إلى قوة استراتيجية أو البقاء قوة معيارية تعتمد على الآخرين في الأمن العالمي.
الشرق الأوسط:
ساحة التوازنات الجديدة
مع انتقال النظام الدولي إلى تعددية قطبية تنافسية، يصبح الشرق الأوسط نقطة اختبار رئيسية للتوازنات الدولية:
تراجع الغطاء الأمني الأمريكي: الدول الإقليمية مضطرة لتنويع تحالفاتها.
صعود البراغماتية الاقتصادية: التركيز على الاستثمار والتنمية لتعزيز القوة الذاتية.
التنافس الإقليمي المتزايد: الفراغ الاستراتيجي يزيد من مخاطر الصراعات الداخلية والخارجية.
هذه العوامل تجعل المنطقة أكثر حساسية لأي صدمة دولية، لكنها أيضاً فرصة لإعادة التموضع والارتقاء بالدور الإقليمي.
العراق:
قلب الصراع والفرص
يقع العراق في تقاطع حيوي: الفرص: يمكنه أن يصبح محوراً لتوازن القوى إذا نجح في الحفاظ على استقرار داخلي وتحالفات متوازنة. و المخاطر: الانقسامات الداخلية والتنافس الإقليمي يمكن أن يحوّله إلى ساحة تصادم للقوى الكبرى. و الاستراتيجية المطلوبة: تبني سياسة خارجية متوازنة، التركيز على الاقتصاد والبنية التحتية، تعزيز القدرة على المناورة بين القوى الكبرى.
العراق يمثل حالة نموذجية للكيفية التي يمكن أن تتفاعل بها دولة محورية مع النظام الدولي الجديد، حيث تصبح القدرة على التكيف أكثر أهمية من القوة المطلقة.
الخلاصة الاستراتيجية
العالم اليوم يدخل مرحلة جديدة من التنافس الدولي:
تعددية قطبية صراعية و تراجع الليبرالية الدولية و صعود القومية الاقتصادية و عودة منطق الردع والمصالح المباشرة
الشرق الأوسط لن يكون مجرد متلقٍ لهذه التحولات، بل ساحة تطبيق حقيقية لها، بينما يواجه العراق اختباراً لاستراتيجيته في إدارة التوازنات المتشابكة بين القوى الإقليمية والدولية.
لسنا أمام انهيار كامل للنظام الدولي، بل أمام إعادة صياغة طويلة ومعقدة لقواعد اللعبة العالمية.
القرن الحادي والعشرون لن يكون للسيطرة العسكرية وحدها، بل للقدرة على التكيف الاستراتيجي، وإدارة النفوذ الاقتصادي، وبناء تحالفات مرنة، وتحويل الفوضى المحتملة إلى فرص للنمو والاستقرار.
في هذا العالم الجديد، سيحدد نجاح الدول ليس بمن تمتلك القوة فقط، بل بمن يعرف كيف توازن بين النفوذ، التحالفات، والاقتصاد لتبقى لاعباً فعالاً في خريطة القوى العالمية المتغيرة باستمرار.

