كتب / رزكار شواني
في سجل الذاكرة الكركوكية، تقف سنوات الحصار بوصفها واحدة من أشد المراحل وطأةً على المدينة وأهلها ، مرحلة اختلطت فيها قسوة العيش بصلابة الروح، وضاقت فيها السبل حتى غدت الحياة اليومية امتحاناً للصبر والكرامة. كانت أياماً ثقيلة، اضطر فيها بعض الأدباء إلى بيع كتبهم النادرة، لا ترفاً ولا استغناءً، بل بحثاً عن لقمة تحفظ كرامة العائلة وتسدّ رمق الحاجة.
ومن بين تلك الأسماء التي عرفت مرارة العوز، القاص الراحل الأستاذ إسماعيل روژبياني، والأديب الفنان علي درويش الذي يعيش اليوم في المهجر، والشاعر قره وهاب، إلى جانب ادباء آخرين من أبناء المدينة الذين وجدوا أنفسهم أمام خيار ، وهو التفريط بكتبهم لتأمين ضرورات الحياة.
كانت الأرصفة آنذاك مسرحاً صامتاً لحكايات موجعة ، كتب ممهورة بإهداءات شخصية، وأخرى مثقلة بهوامش قراءات طويلة، تعرض للبيع تحت شمس حارقة أو برد قارص ، لم تكن تلك الكتب أوراقاً فحسب، بل كانت أعماراً مختزلة، وذكريات تعبق برائحة المقاهي الثقافية وجلسات النقاش الحامية، وشواهد على زمن ازدهرت فيه الكلمة رغم الضيق.
ورغم قسوة الحصار، فقد حملت تلك السنوات وجهاً إنسانياً مضيئاً ، تقاسم الناس القليل، وتكاتف المثقفون، وبقيت المجالس الأدبية تنبض بالحوار والإبداع، كأن الكلمة كانت ملاذهم الأخير في مواجهة العوز . كان الألم حاضراً، لكن الكرامة كانت أشد حضوراً، وكان الإيمان بالثقافة أقوى من كل أشكال الحرمان.
هكذا انطبعت تلك المرحلة في ذاكرة المدينة: زمناً عسيراً بلا شك، لكنه كان أيضاً زمناً صافياً في علاقاته، عميقاً في دلالاته، تجلّت فيه قيمة الإنسان قبل كل شيء. ورغم قسوة الظروف، يحنّ كثيرون إلى تلك الأيام، لأنها كشفت معدن الناس الحقيقي، وأثبتت أن الثقافة قادرة على الصمود حتى في أحلك اللحظات.
ملاحظة : تعود هذه الصورة إلى سنوات التسعينيات من القرن الماضي، وتوثق مشهداً حياً لعدد من أدباء كركوك وهم يفترشون كتبهم النادرة لعرضها للبيع، في محاولة لتدبير لقمة العيش الكريم لأسرهم، في زمن ضاقت فيه السبل واشتدت وطأة الظروف المعيشية.