كان الفيلسوف أرتور شوبنهاور على حق عندما أشار إلى أن “التجربة الذاتية هي الشرط الضروري من أجل فهم كل من الشعر والتاريخ على حد سواء، لأنها تقوم بدور القاموس بالنسبة إلى تلك اللغة التي يتحدثان بهما”.
ولا بد من قاموس مثل هذا إلى درجة معينة عند قراءة أعمال الفيلسوف فريدريك نيتشه، لأنه بالرغم من جميع تصوراته النظرية، كان هو نفسه مرغما على استعمال آلامه ومعاناته بوصفها المصدر الوحيد للمعرفة، يقول “ينبغي عليك أن تكون مصدرا لتجربتك، بغض النظر عمن
تكون”.
ثمة تشابه بين الفيلسوف فريدريك نيتشه والكاتب فيودور دوستويفسكي، خاصة في تركيزهما على الجوانب المتعددة والمعقدة للإنسان، والتي لا يمكن استكشافها من خلال النظريات الفلسفية. ففي فكر كليهما، نرى من يتساءل باستمرار عن حياته ويسعى إلى تحليل وجوده في عالم تتضارب فيه الأفكار وتنتقد
الذات.
وكما نيتشه في فهم الواقع نرى أن بطل الرواية عند دوستويفسكي، يحاول أن تكون لديه رؤيته الخاصة للحياة وما حوله. ولذلك، لديه تفسيره الخاص للأمور، ففي نصوصه، التي تمثلها رواية “مذكرات من العالم السفلي”، يستكشف دوستويفسكي أعماق الإنسان الذي تحركه غرائز متعددة وعواطف خفية ومعقدة، مما يجعله مختلفاً عن المفاهيم السائدة في وصف الأفراد ومواقفهم، على الرغم من إصرار دوستويفسكي على أن مؤلف “مذكرات من العالم السفلي”، مختلق، كما هو الحال مع المذكرات نفسها، وأن مهمته كانت محصورة في تصوير “أحد ممثلي الجيل المتبقي الذي يقضي آخر أيامه”.
إن “مذكرات من العالم السفلي” عبارة عن عويل ناتج عن الرعب يقطع نياط الروح، كما يصفها الفيلسوف ليف شستوف في كتابه “دوستويفسكي ونيتشه.. فلسفة المأساة”، إذ يرى أن هذا العويل يطلقه الإنسان الذي تأكد فجأة من أنه كان يكذب طوال حياته، متظاهرا حين راح يقنع نفسه والآخرين بأن خدمة الإنسان الأخير تمثل أسمى هدف في
الوجود.
وأن هذه الرواية تنكر علني -ولو أنه غير صريح- من قبل دوستويفسكي لماضيه “لا استطيع، لا أستطيع أن اتظاهر أكثر من ذلك، لا يمكنني أن أعيش هذه الحياة الكاذبة من الأفكار، علماً بأنه لا يوجد لدي أي حقيقة أخرى، بغض النظر عما سيحدث”. هذا ما تظهره الذكريات بغض النظر عن سعي دوستويفسكي إلى انكارها في الحواشي والملاحظات.
حقيقة.. يمكن لمنظومة التصنع في أحسن الأحوال أن تضفي مظهرا خارجيا لائقا على مؤلفات الكاتب، ولكنها لن تمنحها المضمون الضروري أبدا. هكذا نجد أن فكرة الإنسان من العالم السفلي عند دوستويفسكي تختبئ على شكل قصة طويلة عنيفة وفاضحة “أنظروا بالمناسبة كم يكون بعض الناس حمقى وأنانيين، كيف أن الأنانية تسيطر في بعض الاحيان على الحيوانات ذوات
القائمتين”.
لكن نيتشه ليس روائيا، وليس بإمكانه أن يتكلم “بلسان” أبطال كما لو كانوا غرباء، بل هو بحاجة إلى نظرية علمية. يقول ليف شستوف في كتابة الذي ترجمه ابراهيم استنبولي “يكفي أن تتوفر الرغبة للاختيار وعندئذ سوف توجد نظرية”، وقد اختار نيتشه أن يتوقف على الفلسفة الوضيعة التي أسست لوجهة النظر النفعية بخصوص الاخلاق، فقط لأنها تفتح آفاقا واسعة بدرجة أكبر أمام الفكرة من العالم السفلي، في حال توافرت الرغبة المناسبة. كان بإمكانه على غرار دوستويفسكي أن يعتكف على مذهب المثالية المتطرفة، وأن يلعب دور المتهم والفاضح. وقد كان للمصادفة دور في اختيار الشكل، كما كان للطبع الخاص عند نيتشه دور جزئي بالإضافة إلى ذلك الاحباط الروحي الذي كان يعانيه في السنوات الأخيرة من مرضه.
بهذا المعنى، دوستويفسكي يشبه نيتشه في مراقبة فظاعات العالم بأكمله حيث الاضطراب والشعور بالضياع، ليتبين لهما أن ما اكتسباه في الماضي غير مفيد لهما، بل كان حملا
ثقيلا.
لذا، نرى أنه في فلسفة كل من نيتشه ودوستويفسكي، يكاد يكون من المستحيل التوصل إلى فهم كامل لهويتنا، إذ إننا مقيدون في نهاية المطاف بقيود خارجية، تتمثل أساسا في المجتمع، فضلًا عن قيودنا الداخلية. لقد أحس نيتشه ماذا تعني الوحدة.
كان العالم بأكمله ضده، ولذلك كان هو بدوره ضد العالم بالكامل. لذا كان يشعر بأن جميع الأفكار الميتافيزيقية والأخلاقية باتت غير موجود على الإطلاق بالنسبة اليه. في الوقت الذي كانت فيه “أناه” المفترى عليها والمشوهة.
في الواقع، يقودنا هذا إلى الجانب الوجودي، كما يقترح ليف شيستوف إلى فلسفة نيتشه التي تجاوزت الأنظمة والمجالات التي وجهته إليها تقاليد العلم والأخلاق. في هذا الواقع الجديد، الذي امتد خارج نطاق النظرية، لم يكن هناك سوى القبح. لذا، يؤكد نيتشه على فكرة أن الحقيقة والأحكام الخاطئة هما سمتان أساسيتان للحياة، مما يشير إلى اعتراض خطير على القيم والمشاعر المعتادة. فإذا كان لدينا يقين أو حقيقة في شيء ما، فقد تظهر حقيقة جديدة أو غير مسبوقة أو لم نشهدها من قبل حول هذا الشيء.
وهذا يدل على أن “الحقيقة نسبية، وأن ما يمكن أن نمتلكه هو وجهات نظر مختلفة”. ومثل نيتشه، يرى دوستويفسكي أن “العقل والمثالية” يراهما معظم الناس على أنهما حقائق مطلقة، مما يعتقد بأنها غير قابلة للتغيير. وهو ما يرفضه نيتشه ودوستويفسكي.
المصدر .. الصباح

