يوسف طيب صالح
في خضم التوترات المتصاعدة بين إيران والولايات المتحدة، يتكرر الحديث عن احتمالات الحرب، وعن تردد واشنطن في اتخاذ قرار المواجهة المباشرة. غير أن القراءة المقابلة داخل المنطقة ترى أن طهران لا تتصرف من موقع القلق أو الدفاع المرتبك، بل من موقع ثقة تراكمت عبر سنوات من بناء منظومة ردع متعددة المستويات، جعلت أي قرار بضربها محفوفًا بتداعيات إقليمية ودولية واسعة.
إيران، خلال العقود الماضية، لم تعتمد على التفوق التقليدي في العتاد بقدر ما ركزت على تطوير استراتيجية “قلب الطاولة” عند الضرورة. هذه الاستراتيجية تقوم على تحويل أي هجوم عليها إلى أزمة ممتدة تتجاوز حدودها الجغرافية، بما يربك خصومها ويجعل كلفة المواجهة أعلى بكثير من مكاسبها المحتملة. لذلك، فإن الخطاب الإيراني الرسمي لا يعكس خشية من الحرب بقدر ما يؤكد الاستعداد لها ضمن معادلة ردع واضحة: أي اعتداء واسع لن يبقى بلا رد، وأي تصعيد لن يكون أحادي الاتجاه.
من منظور طهران، ميزان القوة لا يُقاس فقط بعدد الطائرات أو حاملات الطائرات، بل بقدرة الدولة على الصمود، وبتنوع أدواتها السياسية والعسكرية والاقتصادية. فإيران طورت قدراتها الصاروخية والدفاعية، وعززت حضورها الإقليمي، وبنت شبكة علاقات مع قوى دولية كبرى مثل روسيا والصين، ما يمنحها عمقًا استراتيجيًا يتجاوز حدودها. ورغم أن هذه العلاقات لا تعني تحالفًا عسكريًا مباشرًا في حال نشوب حرب شاملة، فإنها تضع أي مواجهة محتملة في سياق دولي معقد يصعب عزله.
الثقة الإيرانية تنبع أيضًا من قناعة بأن الولايات المتحدة، رغم تفوقها العسكري، ليست في وضع يسمح لها بخوض حرب طويلة ومكلفة في منطقة شديدة الحساسية. فالتجارب السابقة في الشرق الأوسط أظهرت أن الحروب قد تبدأ بضربة سريعة لكنها تنتهي باستنزاف طويل، سياسيًا واقتصاديًا وعسكريًا. ومن هنا ترى طهران أن عامل الزمن قد يكون في صالحها، وأن قدرتها على التحمل والصبر الاستراتيجي تمثل عنصر قوة لا يقل أهمية عن السلاح نفسه.
إن فكرة “قلب الطاولة” في الرؤية الإيرانية لا تعني السعي إلى إشعال حرب، بل تعني امتلاك القدرة على تغيير قواعد الاشتباك إذا فُرضت المواجهة. أي أن إيران تسعى إلى ترسيخ معادلة تقول إن استهدافها لن يكون عملية محدودة يمكن احتواؤها بسهولة، بل خطوة قد تعيد تشكيل موازين القوى في المنطقة بأسرها. ولهذا تبدو طهران في خطابها السياسي أقل قلقًا وأكثر تمسكًا بفكرة الردع الصارم، معتبرة أن إظهار الاستعداد والقوة هو الضمان الأساسي لمنع الحرب، لا العكس.
ويُضاف إلى ذلك أن إيران تمتلك مخزونًا واسعًا من الصواريخ والأسلحة الدقيقة، يجعل أي بوارج حربية أو حملات جوية أمريكية وكل مصالح واشنطن في الشرق الأوسط معرضة للخطر الكلي تحت نيرانها، وهو عامل يعزز من مصداقية استراتيجية الردع الإيرانية ويزيد من تعقيد أي حسابات عسكرية للخصوم.
في النهاية، سواء اتفق المراقبون مع هذا التقييم أم اختلفوا معه، فإن الواضح أن إيران تحاول تقديم نفسها كدولة لا تتحرك بدافع الخوف، بل بدافع حسابات دقيقة تؤمن بأن امتلاك القدرة على التصعيد هو الوسيلة الأنجع لمنع التصعيد. وفي معادلة معقدة كهذه، يصبح استعراض الثقة جزءًا من استراتيجية القوة ذاتها.