كتابة: فريد دلشاد
ترجمة:نرمين عثمان محمد/ عن صحيفة كوردستاني نوى
بشكل عام، يُعرّف التفكير النقدي بأنه القدرة على التحليل والتقييم وفحص المعلومات المتاحة، بهدف التوصل إلى حكم حول ما إذا كانت هذه المعلومات صحيحة أم خاطئة. التفكير النقدي لا يقتصر على مجرد النقد، بل هو عملية عقلية تتضمن الشك فيما يُعرض علينا على أنه حقيقة، وفحص الأدلة، وطرح الأسئلة حولها، والابتعاد عن التحيزات والأحكام المسبقة والخاطئة. بمعنى آخر، هو إعادة النظر في المعتقدات السابقة التي تمسك بها الناس والتي لم يتم اختبارها من قبلنا.
في عالم اليوم المليء بالتقلبات السياسية، يُعد التفكير النقدي أداة أساسية لحماية المواطنين من التضليل، غالبًا ما يستخدم السياسيون لغة عاطفية لإثارة مشاعر الجمهور، بينما يسأل التفكير النقدي: هل هذه الأقوال مدعومة بأدلة علمية؟ أم أنها مجرد تلاعب بمشاعر الناس؟ هل تهدف هذه الأقوال إلى توجيه الفرد نحو حزب أو جهة معينة؟ التفكير النقدي يساعد على التمييز بين النصيب من الحقيقة والجزء الذي يُخفيه السياسيون، إذ يتتبع الأمور من جوانبها المختلفة.
المعوقات
أحيانًا يواجه التفكير النقدي معوقات، خاصة في مجالي العاطفة والإنحياز ، إذ يرغب الناس في تلقي المعلومات التي تتوافق مع معتقداتهم السياسية السابقة،يسعى السياسيون الشعبويون دائمًا إلى استغلال مشاعر الناس وليس العقل. فهم يعرفون أن الخوف، والتنافس، والمشاعر القومية أو الدينية العمياء، يمكن أن يوقفوا التفكير المنطقي ٍ ، غالبًا ما تُستغل الكلمات المثيرة للقلق على حساب السلام العام والأمن القومي، لكن التفكير النقدي يفرض على الفرد أن يقف عند كل كلمة أو تصريح مشكوك فيه ويبحث عن الحقيقة.
تسعى الأنظمة المستبدة دائمًا إلى الحد من التفكير النقدي، لأن الفرد الناقد لا يمكن التحكم فيه بسهولة، وقد يشكل تهديدًا للنظام السياسي القائم،في الأنظمة الديمقراطيةيقول لنا التفكير النقدي بأن الديموقراطية ليست مجرد صندوق إقتراع بل هو تكوين مواطنين واعين قادرين على التقييم الدقيق للسلطة، لأنه بدون التفكير النقدي قد يظهر الدكتاتور، وفي مجتمع تضعف فيه القدرة على النقد، تتحول السياسة إلى ثقافة الركوع والطاعة؛ طاعة القائد، الحزب، أو الحدث السياسي.
هناك معضلة أخرى تتعلق بوسائل التواصل الاجتماعي، التي تنتشر فيها الأخبار الكاذبة بسرعة، مما يجعل الناس لا يجدون الوقت للتفكير النقدي، ويصدقون الأخبار السياسية الخاطئة. لذا، التفكير النقدي يمكّن المواطن من تقييم مختلف وجهات النظر حول القضايا، وليس الاكتفاء بما تطرحه وسائل الإعلام الحزبية أو وسائل التواصل الإجتماعي .
التفكير النقدي يفرض على الفرد أن يخرج من حجرة التفكير الضيقة، ويستمع إلى الآراء المختلفة، ويوازن بين نقاط القوة والضعف فيها. هذا ليس مجرد عمل فكري، بل خطوة نحو السلام الاجتماعي والتقارب بين الناس، في المجتمعات التي يغيب فيها النقد، يصبح من السهل انتشار الفساد والتطرف فالسياسة بدون نقد تتحول إلى طغيان، حيث يصبح القادة سلطة مطلقة والأحداث غير قابلة للمساءلة ويصبح المواطنون ضحايا لذلك تعتبر أكبر خدمة يقدمها النظام التربوي لأي مجتمع هو تعليم طلاب هذا المجتمع أن يسألو ا لا أن يطيعوا فقط .
إقليم كوردستان
في إقليم كردستان كثيرًا ما يُساء فهم النقد، فيُفسَّر على أنه عداء أو خدمة للعدو، وهذا فهم خاطئ. فالنقد في التفكير السياسي لا يعني هدم النظام السياسي، بل يعني مساءلة كيفية إدارة الدولة وتوزيع الثروات ومسؤولية السلطة.
التفكير النقدي في السياسة لا يعني معارضة كل شيء، بل يعني «عدم شرب سم ٍيُقدَّم في كأسٍ من العسل». وغالبًا ما يطرح المواطن بدلاً من أن يسأل: لماذا؟ وكيف؟ سؤال: من قال؟ وهذا يؤدي إلى بقاء السياسة بلا رقابة.
ومن منظور التفكير النقدي فإن مستقبل السياسة في إقليم كوردستان مرتبط بوجود مواطنٍ سائل، لا مجرد مواطنٍ ناخب. وهذا النوع من المواطنة يحتاج إلى ثقافة الحوار، واحترام اختلاف الآراء، وحرية التعبير. وفي هذا المجال، وعلى خلاف كثير من القادة الآخرين، أعطى الرئيس مام جلال أهمية كبيرة للتفكير النقدي، واقترح أن يبدأ النقد من الذات أولاً، إذ قال:
(الحياة لا تسير بلا نقدٍ ونقدٍ للذات، وبدون النقد لا يتقدم أي شخص أو حزب أو مجتمع. لا تخافوا من النقد أبداً ، وليصبح عادة، فأفضل وسيلة للتطور هي نقد الذات.)
وفي الختام، السياسة والتفكير النقدي قوتان لا يمكن فصلهما. فالسياسة بلا نقد خطر على الحرية، والتفكير النقدي بلا سياسة يصبح مجرد خطاب فكري بلا تأثير. إن مستقبل المجتمع يبدأ من اللحظة التي يتعلم فيها المواطن ألا يسمع فقط “ماذا قيل”، بل أن يسأل أيضًا: “لماذا قيل” و“لمن قيل”.