كتابة : عماد أحمد
ترجمة : نرمين عثمان محمد / عن صحيفة كوردستاني نوى
في شهر أبريل من عام 1998، وبقيادة الرئيس الراحل مام جلال، زار وفد الاتحاد الوطني الكردستاني مدينة طهران، جاء ت هذه الزيارة في وقت كان العراق فيه تحت سلطة نظام ديكتاتوري بقيادة صدام حسين، بينما كانت المعارضة العراقية تحاول توحيد جهودها للإطاحة بهذا النظام،وكان الهدف من الزيارة تعزيز العلاقات وتقوية الدعم والتعاون المتبادل.
في هذا السياق، عقد اجتماع في القصر الجمهوري مع الرئيس الإيراني آنذاك السيد خاتمي. كان الإجتماع مميزًا وفريدًا، ليس فقط لأهميته السياسية، بل أيضًا بسبب الأجواء الفكرية والإشراق الفكري الذي سادالاجتماع.
من جانب، كان مام جلال معروفًا بوعي سياسي ووطني وقومي وإشتراكي واسع، ومن جانب آخر، كان السيد خاتمي شخصية بارزة معروفة بالدعوة للإصلاح والنظرة لتحسين الداخل الإيراني، وكان كل منهما يناقش نفس الموضوع، لكن من منظوره الخاص المختلف.
ما شعرنا به أكثر، هو الاحترام الكبير الذي أبداه الرئيس خاتمي تجاه مام جلال. في طريقة حديثه واستماعه وردوده، تجلّى هذا الاحترام بشكل واضح، وخلق لنا نحن أعضاء الوفد أجواءً من الكبرياء والقوة المعنوية، وهي إشارة إلى الطريقة التي كان يقود بها مام جلال، وإلى حكمته الناعمة والمنطقية، وجعل صوته الكردي يُسمع على المستوى الإقليمي والدولي باحترام.
خلال ذلك الاجتماع، ولتوضيح فكرة معينة، روى الرئيس خاتمي حكاية فلسفية قال فيها:
في اليونان القديمة، كان هناك فيلسوف يُدعى “كلبى”،كان رجلاً عالماً وصادقاً وشجاعاً، ابتعد عن ملذات الحياة المادية ورضي بحياة بسيطة ومستقلة. يُعرف هذا الفيلسوف باسم ديجينس السينوبي، ولد عام 323 قبل الميلاد وتوفي عام 412 قبل الميلاد. يُحكى أن كلبي كان يعيش في كهف ٍ ويمتلك وعاء صغيراً لشرب الماء فقط ، وفي أحد الأيام شاهد كلبًا يشرب بلسانه الماء من بركة صغيرة، فتأثر برؤية هذا المشهد كثيراً و ألقى بوعاءه قائلاً: “لقد تعلمت من الكلب أنني لا أحتاج هذا أيضاً.”وقد أخذ لقب “كلبي ” من بعد هذا الموقف.
في أحد الأيام كان كَلْبي جالسًا تحت أشعة الشمس، فزارَهُ الإسكندر الأكبر. وبعد أن عرّف بنفسه قال له:
(ما ذا تطلب مني ؟ ماذا تريد أن أفعل لك؟)
كان جواب الفيلسوف بسيطًا ومفعمًا بالمعنى حين قال:
(فقط تنحَّ بظلك عني، ودع أشعة الشمس تصل إليّ)
تلك الإجابة تظهر بسيطةً في الظاهر ولكنها تحمل في فحواها رسالةً قويةً، مفادها أن الشخص الذي وصل إلى الحرية الداخلية لا يحتاج إلى السلطة أو الممتلكات المادية. وتظهر القوة الحقيقية في الاستقلالية والرضا والحرية وعدم الخوف.
كانت هذه القصة، في السياق السياسي آنذاك، أكثر من مجرد حديث تاريخي، بل مثال نحتاج اليه حتى في الأوضاغ الحالية بمعنىً آخر حين لا تبقى ظلال الذئاب مسلَطة علينا، وتصل إلينا أشعة شمسنا، ونفرح بالحق المشروع لشعبنا. في هذا الظرف تصبح رسالة ذلك الحكيم رسالة أمة:
(أزيحوا ظلالكم، ودعوا أشعة شمسنا تصل إلينا.)،أي إذا كانت قراراتنا بأيدينا، فإننا نرغب ألا يكون مصيرنا ضمن دائرة مصالح الآخرين، وأن نُفسح المجال لقوتنا الداخلية كي تتألق من جديد.
هذه الرسالة ليست دعوة إلى الانعزال عن العالم، ولا دعوة إلى العداء، بل هي مطالبة باحترام حقوق ووجود أمة،فكما أن الكلبي لم يُرِد أن يأخذ من الإسكندر شيئًا ماديًا، بل طلب فقط ألاَ يحجب عنه أشعة الشمس، كذلك فإن شعبًا يعيش بوعي وإرادة حرة لا يطلب إلا أن تُعرَّف حقوقه وألاَ يُعرقل نموّه وقراراته.
في ظل التغيرات السريعة في المنطقة والعالم، حيث تتغير التحالفات السياسية بسرعة، يظل هذا الدرس الفلسفي حديثاً، إذ أن القوة الحقيقية لا تكمن فقط في العدد العسكري أو الموارد الاقتصادية، بل في رغبة الشعب في الحرية والوحدة لتحقيق الأهداف وحماية إقليم كوردستان.
في ذلك اليوم في القصر الجمهوري في طهران، وبين الحوار السياسي والأفكار الفلسفية، شعرنا بحقيقة إنه إذا نحن آمنا اليوم بصدق وحقيقة القضية وبالقوة الداخلية التي بداخلنا ، وإذا اقتنعنا بالاعتماد على حريتنا واستقلاليتنا، فإنه والحمد لله شمس الخير موجودة دائمًا، ونحن واثقون بأنها ستسطع لنا وتصلنا.