د.عدالت عبدالله
ربما يثير طرحي لهذه الفكرة نوعاً ما غضباً أو رفضاً من قبل المتعصبين بين أبناء جلدتنا، نظراً لطغيان مخيلة سياسية طموحة لديهم تتمثل في تفضيل هويةٍ معينة عندهم على هوياتٍ أخرى مرتبطة بهم بفعل إرادي أو بحكم الأمر الواقع، وعدم الاعتراف بإشكاليات ممارسة الهوية في عالمنا المعاصر والتحديات التي تواجهها.
فكرتي بكل بساطة هي أنه ما دام الكُرد في العراق له هوية عراقية فضلاً عن هويته العرقية والقومية، فبإمكانه استثمار هذه الهوية وتقويتها لأداء أكثر من وظيفة، ونعتقد ان الأمر سيعلي شأنه بين كافة مكونات الشعب العراقي، وتجعله موضع الثقة والمصداقية أكثر، بل يتحول إلى الرابط الذي يجمع وتلتقي عنده كافة القوى السياسية والمكونات التي تمثلها، ويضعون ثقتهم به لقيادة البلد دون أدنى حساسيات قوموية أو طائفية أو مذهبية.
فالكُرد، من حيث الطائفة الدينية، ليس متعصباً، إن كان الأمر يرجع إلى أن الغالبية فيه تتبع المذهب السني، والبقية من الشيعة والطوائف الدينية الأخرى، وعليه لم ينشأ مجتمعياً من خلال عصبيات طائفية تؤدي إلى الفتن الداخلية، أو لعل الحالة هي بفعل أولوية الهوية القومية نتيجة المظلومية التاريخية التي تعرض لها بسبب هذا الوجه من وجوه هويته السياسية المجتمعية.
وبناءً على ذلك، وبفعل تمتع الكُرد بهوية وطنية أوسع من هويته الكُردستانية وأكثر رسميةً واعترافاً بها على المستوى الدولي، وأعني هنا الهوية العراقية وعراقيته كهوية رسمية ومعمول بها، فيمكن أن يهتم بهذا الوجه الرسمي للهوية ويقويه، ويربي أجيالاً عليها لتقبلها كهويتهم الأساسية، وبالتالي العمل التاريخي والمؤسسي على غرسها ذهنياً ونفسياً، بحيث تزول معها النعرات القومية، ويتطلع كل مواطن عراقي كُردي إلى أن يكون عراقياً من حيث الانتماء والوعي السياسي أكثر من أي هوية أخرى.
تأتت هذه الفكرة من منطلق سُبل إعلاء دور وشأن هذا المكون الأساسي من المجتمع العراقي، وجعله نموذجاً يُحتذى به في المشهد السياسي، وطرفاً مبادراً في احتواء كافة الهويات الأخرى الطائفية في البلد، ومتفاعلاً مع أي مشروع وطني حقيقي يُعظّم شأن الهوية العراقية، ولكن بشرط واقعي هو احترام كافة الاختلافات القومية والطائفية والمذهبية ضمن عقد اجتماعي، هو الإقرار بالطابع الموزائيكي للمجتمع والاعتراف بوحدته سياسياً، ما يعني بالتالي عدم التشبث بأي خلفية مجتمعية ثانوية لمكاسب خاصة أو أي محاصصة سياسية تلغي لنا مفهوم المواطنة الكاملة وتَساوي أبناء البلد أمام القانون، وبالتالي إثارة الحساسيات والنعرات الطائفية والقومية دوماً و مع أي أزمة بسبب التركيز والتذكير بالهويات المجتمعية الثانوية لأي مواطن أو فاعل سياسي يقود البلد ويصل إلى مواقع قيادية.
بمعنى آخر، إن الفكرة تتمثل بكل بساطة في أن يلعب الكُرد في العراق الدور القيادي، ويعمل على تعزيز هويته العراقية من خلال الخطاب والممارسة السياسية الفعلية، وأن يقدم تجارب فذة وملهمة في العملية السياسية، بحيث ينتهي معها العرف السياسي المتبع في العملية السياسية الذي يحرمه من المواطنة الكاملة و يقصي حقه في أن يكون، مثلاً، رئيساً للحكومة العراقية أو رئيساً لمجلس النواب أو فاعلاً في إدارة الملفات الاستراتيجية ومرافق الدولة الحساسة وقيادة الجيش العراقي و مواقع سيادية أخرى.

