كركوك / رزكار شواني
تستحضر مدينة كركوك ملامح شهر رمضان كما عاشته في سبعينيات القرن الماضي، بوصفه زمناً له نكهة خاصة ما تزال راسخة في وجدان أبنائها ، كان رمضان آنذاك موسماً تتجلى فيه البساطة والعفوية، وتتعزز خلاله قيم التعايش والتآلف التي ميزت هذه المدينة المتعددة القوميات والأطياف.
في تلك السنوات، كانت كركوك تقدم نموذجاً حياً للوئام الاجتماعي، حيث تمتزج العادات والتقاليد في لوحة إنسانية متكاملة تعكس عمق الروابط بين سكانها ، ومع حلول الشهر الفضيل، كانت الأسواق الشعبية تستعيد حيويتها الاستثنائية : الاسواق في الاحیاء الشعبیة تعج بالمتسوقين قبيل الغروب، وروائح التوابل تفوح من الدكاكين الصغيرة، فيما تتراص أصناف الحلويات الرمضانية على واجهات المحال، في مشهد يختزل روح المدينة ودفء علاقاتها.
أما المقاهي الشعبية، فكانت تحتل مكانة خاصة في ليالي رمضان. فبعد أداء صلاة التراويح، تتحول إلى ملتقى للرجال والشباب، يتبادلون الأحاديث ويستعيدون الطرائف والذكريات، وتمارس فيها الألعاب التراثية التي شكلت جزءاً أصيلاً من الطقوس الرمضانية. ومن بين تلك الألعاب لعبة (الصينية) التي حظيت بإقبال واسع، إضافة إلى لعبة (الكلاوين) في الأحياء الكوردية، وهي لعبة جماعية تتطلب تركيزاً وخبرة، وغالباً ما تمتد جلساتها حتى ساعات متأخرة من الليل وسط أجواء من التحدي الودي والمرح.
وبرزت لعبة (الدامة) بوصفها واحدة من أشهر الألعاب الفلكلورية في المدينة، حيث عرف بها لاعبون متمرسون امتلكوا مهارة عالية وخبرة طويلة، من بينهم المرحوم الشيخ ستار برزنجي و شكور خلیفة سالەیی وآخرون. وكانت تقام مبارياتها في أحياء آزادي وزيویة وإمام قاسم والشورجة، وسط حضور لافت من المتابعين الذين يتحلقون حول الرقعة بشغف، يتابعون كل حركة بترقب وكأنهم أمام مباراة كبرى.
ولم تكن ليالي رمضان تقتصر على الترفيه، بل شكلت مناسبة لتعزيز أواصر المحبة ، فقد اعتاد أهالي كركوك بمختلف قومياتهم، تبادل الزيارات والسهرات العائلية، وتشارك أطباق الإفطار والحلويات، في أجواء يسودها الاحترام والمودة والتسامح ، كانت المجالس مفتوحة، والقلوب أكثر انفتاحاً، والحديث يدور حول ذكريات الشهر وتجارب الصائمين، بما يعكس روح التكافل التي تميز المجتمع الكركوكي.
ومن أبرز المشاهد التي لا تغيب عن الذاكرة، جولات قارعي الطبول وعازفي الزورنا قبيل الفجر لإيقاظ الصائمين للسحور، حيث كانوا يجوبون أزقة المدينة في مشهد يبعث على الألفة ويوقظ في النفوس شعوراً خاصاً بقدسية الوقت. كان صوت الطبل يمتزج بسكون الليل، فيعلن اقتراب السحور ويمنح اللحظة رهبة وروحانية فريدة.
كما نستذكر تقليد (مدفع رمضان) الذي كان يطلق وقت الغروب مقابل حديقة أم الربيعين في كركوك خلال سبعينيات القرن الماضي ، كنا نذهب قبل الغروب مع أصدقائنا لنشهد لحظة إطلاق المدفع بعد أول تكبيرة لصلاة المغرب، وكان صوته مدوياً يسمعه سكان المدينة من شمالها إلى جنوبها، ومن شرقها إلى غربها، فيدرك الجميع أن موعد الإفطار قد حل، فتتعالى الدعوات وترفع الأكف بالشكر و الدعوات بالمغفرة .
إن بساطة تلك الأيام، رغم قلة الإمكانات، منحت رمضان طعماً مختلفاً، وجعلت منه موسماً للصفاء الروحي والتقارب الإنساني. وقد ظلت روح التآخي والتكافل التي سادت آنذاك جزءاً أصيلاً من هوية كركوك وذاكرتها الجمعية، تستعاد كلما أقبل الشهر الفضيل، حاملة معها عبق الماضي وجماله.

