مراقبة الأوضاع
من مقهى في خانقين إلى درس سياسي
كتابة: عماد أحمد
ترجمة : نرمين عثمان محمد / عن صحيفة كوردستاني نوى
في وقت تعيش فيه المنطقة وكردستان والعراق حالة من الاضطراب السياسي والاقتصادي والأمني، فإن العودة إلى الذكريات لا تعني التحسس من التاريخ، بل هي محاولة لاستخلاص درس يمكن أن يرشدنا،
أحيانًا لا تظهر هذه الدروس في الجامعات والمعاهد والمؤتمرات، بل في مقهى دافئ أو في ركن من أركان مدينة حدودية في كوردستان.
في سبعينيات القرن الماضي، في مقهى “حەسەنەشەل” في خانقين، كانت الحياة تسير ببساطتها، رائحة الشاي والتبغ ، وصوت الخشب والأكواب ، وحديث بين رجلين مسنين لكل منهما عالمه الخاص ،في تلك الأيام، كانَ كلٌ من (كلاي علي خان المشهور بأحاديثه الحلوة والنادرة ،و مه شه داود الذي كان والداً لثلاثة شهداء استشهدوا على يد السفاح ناظم كزار ، وكانوا يتحدثون عن تحرشات رجل الأمن أبو هاني بهم ،قال كلاي علي خان هامساً: (بالسياسة يمكننا تجنب مصائب أبو هاني)
أجابه مه شه داود ببساطة: (أنا لا أعرف شيئاً عن السياسة)، فرد كلاي علي خان: (لاتتعارك مع المتحرش ،أنجز كل عمل بتخطيط وحكمة ، وفي زمانه ومكانه، واعرف تقدير الموقف .)
تقدير الموقف كلمتان خلقتا بين أصوات الأكواب وكؤوس الشاي ،وروائح الشاي ودخان السجاير ، لكنها رسخت في ذهني ووعيي حتى اليوم،تقدير الموقف بمعناه البسيط يقصد به مراعاة الظروف ، ولكنه يعني كل حقيقةٍ يجب أن تقال في وقتها وكل خطوة يجب أن تُتخذ في مكانها الصحيح.
. السياسة ليست مجرد قرار أو شعار ، السياسة هي معرفة الزمان والمكان وتوازن القوى،وللعلم، في منطقة (گەرمەسێر )، من يذهب الى كربلاء أو النجف يُقال له (كَلاي) ومن يذهب إلى مشهد يُقال له
(مه شه ي)، أما (الحاج ) فهو واضح لمن يقال.
بالأمس،حلمتُ بالملازم عمر عبد الله في منطقة (شارباژێڕ)مع عدد من الأصدقاء القدامى وكنا في سفرة، غالبًا ماتكون الأحلام بمثابة ِ بابٍ مفتوحِ على الماضي ،في حلمي، كان الملازم عمر بنفس إبتسامته الجميلة وعيونه المليئة بالمحبة، جالسًا على صخرةٍ، يتحدث لنا،لقد كان حقًا، في أيام الثورة والمجالس والمراحل الحساسة من النضال ، رجلاً طيب المعشر وصديقًا مخلصًا ويحس بالآخرين .
لم أتحمل ، وهاتفتهُ في اليوم التالي عند الضحى لسؤاله عن حاله، وحدثته عن حلمي، وسألته عن قصة المرحوم فؤاد عارف، وسرد لي مشكوراً قصته مرةً ثانيةً ، وعرفت من حديثنا أنه والحمد لله بصحة جيدة وصوته صافٍ.
في عام 1985، خلال فترة الاضطرابات الداخلية ل (کۆمەڵەی رەنجدەرانی کوردستان) ، أعتقد الكثيرون بأن معالجة تلك الإضطرابات تكون بالعنف، لكن الملازم عمر وبعضاً من الأصدقاء الآخرين كانوا يؤازرون المصالح العامة ،. ولو كنا جميعًا في ذلك الوقت قد اتخذنا قراراتنا بهدوء وبروح الشعور بالمسؤلية ، لما كان الإنعزال بالشكل الذي هو عليه الآن ، ولا إتحادنا الوطني الكوردستاني ، أعظم شجاعةٍ هي أن يستطيع الإنسان اتخاذ القرار بهدوء وبصيرة في أوقات الأزمات والصراعات.
في أحد الجلسات، تحدث لنا الملازم عمر عن فؤاد عارف، الذي كان سياسياً كوردياً أستطاع الحفاظ على موقعه في مراحل مختلفة، ليس بالمناورة بل بمعرفة الزمان والمكان والظروف.
خلال عهد الملكية وثورة 14 تموز، وحتى في عهد صدام حسين، كان يحس بالتغيرات الدقيقة للأحداث والمراحل بصورة صحيحة، وعندما سأله الملازم عمر عن كيفية التعامل مع كل هذه التحولات، أجاب: (قدر موقفك دائماً تعرف وضعك جيدًا.)
اليوم، مع كوردستانٍ أمام ضغوطات اقتصادية وصراعاتٍ سياسية واضطرابات إقليمية ، يتكرر نفس الدرس، العلاقات الداخلية والعلاقة مع بغداد مهمة وحساسة، العراق نفسه يدور في حلقة الصراعات الإقليمية والدولية، فهو يواجه مخاطراًخارجيةً وفي الداخل ليس إنعدام وحدة الأصوات وعدم الإطمئنان يستطيعان أن يضرانا أكثر من أيةِقوةِ خارجيةٍ.
مخاطر هذه المرحلة نوعان: الأول: المواقف المتسرعة والقرارات المستعجلة القائمة على الانفعال.
الثاني: التوافق الفارغ أو الصمت، فتقدير الموقف يعني التوازن بين هاتين النقطتين ،أي معرفة متى عليك أن تتحرك ومتى عليك أن تتوقف.
مقهى صغير في خانقين أصبح مصدراً لفلسفةٍ كبيرة، السياسة ليست فقط ميادين الشعارات والانفعال، بل ميادين الفكر والتخطيط والتوقع، إذا استطاعت الأطراف السياسية في كوردستان والعراق أن تتصرف في هذه المرحلة بحكمة ووحدة وبصوت واحد وخطوة واحدة ، يمكنهم تحويل التغييرات الى فرص ، أما إذا فقدوا مفهوم تقدير الموقف، فستتحول الفرص إلى مخاطر.
و في الختام نقول ، الشجاعة مهمة، لكن الحكمة والمعرفة أهم، فما يصنع المستقبل ليس القوة وحدها، بل معرفة الزمان والمكان. وهذه فلسفة بسيطة لكنهاعميقة : قدر موقفك أولاً، ثم أخطوا.

