كتب / علي لفتة سعيد
تُظهر قراءةٌ متأنّية لما يُنشر اليوم من مقالاتٍ نقديةٍ حول الكتب الأدبية، روايةً كانت أم قصةً أم شعرًا أو مسرحًا، ظاهرةً لافتة تكاد تتحوّل إلى عُرفٍ راسخ، هيمنة المقدّمات على جسد المقال. فبدل أن يكون المقال فضاءً للتحليل المباشر للنص، يتحوّل إلى استعراضٍ لغويٍّ يستهلك أحيانًا ربع المساحة، بل نصفها، في تمهيداتٍ لا تُضيف شيئًا إلى فهم العمل، بقدر ما تُضيف إلى صورة الكاتب عن نفسه.
إن هذه الظاهرة ليست مسألةً أسلوبيةً بريئة، بل خللٌ في تصوّر وظيفة المقال النقدي ذاته. فالمقال ليس دراسةً أكاديمية تحتاج إلى تأسيسٍ نظري طويل، ولا بحثًا منهجيًا يستدعي تعريفاتٍ ومقارباتٍ تاريخية. إنّه نصٌّ تحليليٌّ سريع الإيقاع، وُجد ليضع العمل الأدبي تحت الضوء مباشرة: عرضًا، وتفسيرًا، وتقييمًا، واستخلاصًا للنتائج. أمّا حين تُستبدل هذه الوظائف بمقدّماتٍ إنشائية، فإنّ المقال يفقد هويته ويتحوّل إلى كائنٍ هجين بين الدراسة والخواطر.
المفارقة أنّ كثيرًا من هذه المقدمات لا تنشأ من حاجةٍ معرفية، بل من حاجةٍ نفسية لدى منتج المقال لإثبات ثقافته ومرجعياته. فيلجأ بعضهم إلى استعراض أسماء النقّاد، أو سرد حكاية حصوله على الكتاب، أو كيف نصحه صديق بقراءته، أو يفيض في شرح مصطلحٍ نظريٍّ لا علاقة عضوية له بالنص المنقود. وهكذا يصبح العنوان في جهة، والمقال في جهة أخرى، بينما يضيع النص الأدبي،وهو المفترض أن يكون البطل، في الهامش.
إنّ المقال النقدي، في جوهره، فعلُ مواجهةٍ مع النص، لا مناسبةٌ لاستعراض الأنا. قيمته تُقاس بقدرته على النفاذ إلى البنية الداخلية للعمل، لا بعدد المراجع التي يلوّح بها الكاتب في المقدّمة. والتحليل الحقيقي لا يحتاج إلى أبوابٍ فخمة للدخول، بل إلى عينٍ تقرأ ووعيٍ يؤوّل ولغةٍ قادرة على الإمساك بالتفاصيل الدالّة.
وما يزيد الأمر التباسًا أنّ بعض الكتّاب يخلطون بين وظيفتين مختلفتين، وظيفة الدراسة النقدية التي تحتمل التمهيد النظري والتأصيل المفاهيمي، ووظيفة المقال الذي يقوم على الاقتصاد اللغوي والتركيز. فحين يُكتب مقال من خمسمئة كلمة بمقدّمةٍ من مئتين، فإنّ الباقي لا يكفي حتى لعرضٍ عادلٍ للعمل، فضلًا عن تحليله. وهكذا تتحوّل المقدّمة إلى جدارٍ يعزل القارئ عن النص بدل أن تقوده إليه.
ثمّة نمطٌ آخر أكثر خطورة، هو المقدّمات العاطفية التي تُبنى على الإشادة المسبقة بالكاتب المنقود، أو على الانتقاص منه قبل بدء القراءة. في الحالتين يُفرض حكمٌ جاهز يقتل حياد المقال ويحوّله إلى بيان ولاءٍ أو خصومة. وهذا نقيض النقد الذي يفترض تكون هناك مسافةٌ أخلاقيةٌ بين الناقد وموضوعه، ومسؤولية تجاه القارئ لا تجاه العلاقات الشخصية.
إن هذا لا يعني الدعوة إلى إلغاء المقدّمة إلغاءً تامًا، فبعض النصوص تحتاج إلى مدخلٍ يوضّح سياقها أو يفسّر خصوصيتها، لكن بشرط أن تكون المقدّمة وظيفية، مقتصدة، وخادمةً للتحليل لا بديلًا عنه. أمّا المقدّمات التي تُكتب لتعبئة الفراغ أو لإظهار البلاغة، فهي عبءٌ على المقال وإساءةٌ للنص معًا.
من جهةٍ أخرى، فإنّ أزمة المقدّمات تكشف في العمق أزمة ثقة بالنصوص. فلو كان الناقد واثقًا من قيمة العمل ومن قدرته على تحليله، لدخل إليه مباشرةً دون التفاف. لكنّ الخوف من المواجهة يدفعه إلى الاحتماء بالكلام العام. ولهذا تبدو أفضل المقالات تلك التي تبدأ من الجملة الأولى داخل النص، كأنّها تقول للقارئ: هنا الحكاية، لا في ما حولها.
إن المقال النقدي الحقيقي ليس إلى مقدّمةٍ طويلةٍ يتبعها تعليقٌ عابر، بل قراءةٌ مركّزة تُعيد إنتاج النص في وعي القارئ. ومتى تحوّل إلى منصّة استعراض، فقد وظيفته وتحوّل إلى ضجيجٍ ثقافي يضاف إلى ما نعيشه من فائض الكلام. إنّ احترام النص يمرّ أولًا عبر احترام اقتصاد المقال، واحترام وقت القارئ، والاعتراف بأنّ النقد فعلُ إنصاتٍ لا خطبة افتتاحية.
إن هذا الأمر يؤدّي الى وجود آثار سلبية منها:
أوّلًا: إزاحة النص عن مركز الاهتمام، حيث تتحوّل المقدّمة إلى بطلٍ بديل، فيغيب العمل الأدبي نفسه خلف ستارٍ من الإنشاء والاستطراد، بينما الأصل أن يكون النص هو نقطة الانطلاق والعودة.
ثانيًا: تشويه وظيفة المقال النقدي، غذ أن المقال يُفترض أن يكون أداة تحليلٍ سريعة ومباشرة، لكنّ تضخّم المقدّمات يجعله نسخةً مشوّهة من الدراسة الأكاديمية بلا منهجها ولا عمقها.
ثالثًا: إرباك القارئ وإضاعة بوصلته، كون القارئ يدخل المقال بحثًا عن قراءةٍ للعمل، فيُفاجأ بتمهيداتٍ لا تقوده إلى شيء، ما يضعف الثقة بالناقد وبجدوى المقال معًا.
رابعًا: تحويل النقد إلى استعراض ذاتي، فكثير من المقدّمات تُكتب لإبراز ثقافة الكاتب ومرجعياته وعلاقاته، لا لخدمة النص، فيتحوّل المقال إلى سيرةٍ مقنّعة لا إلى فعلٍ نقدي.
خامسًا: فرض أحكام مسبقة على النص، فالمقدمات الإشادية أو العدائية تُنتج موقفًا جاهزًا قبل التحليل، فتقتل موضوعية القراءة وتحوّلها إلى دفاعٍ أو هجومٍ مبرمج.
سادسًا: إفقار التحليل الحقيقي، المساحة التي تلتهمها المقدّمة تُقتطع من جوهر المقال، تفكيك البنية، تحليل اللغة، قراءة الشخصيات أو الرؤية، فتخرج القراءة سطحية.
سابعًا: خلط الأجناس الكتابية، إذ يتداخل المقال مع الدراسة والبحث والخاطرة، فيفقد خصوصيته كجنسٍ يقوم على التكثيف والتركيز واللغة الوظيفية.
ثامنًا: تكريس الكسل النقدي، إذ إن الأسهل للكاتب أن يكتب كلامًا عامًا عن الأدب والنقد من أن يواجه النص بتفاصيله الدقيقة، فتغدو المقدّمة ملاذًا من مشقّة القراءة العميقة.
تاسعًا: إنتاج ضجيج ثقافي بلا أثر، حيث تتكاثر المقالات المتشابهة في مقدماتها والمختلفة في عناوينها، من دون أن تُضيف فهمًا جديدًا للعمل أو للذائقة العامة.
عاشرًا: إضعاف العلاقة الأخلاقية بين الناقد والنص، فالنص يصبح ذريعة لكتابةٍ عن شيء آخر، بينما النقد مسؤولية إنصاتٍ واحترامٍ لا مناسبة للخطابة.
صحيفة الصباح

