الكاتب..حازم محمود حميد النعيمي
بغداد اليوم لا تعاني فقط من الزحام أو نقص الخدمات بل من مشكلة أعمق بكثير فقد فقدت المدينة بوصلة التخطيط. فالمدينة ليست أبنية تُشيد وأراضي تُباع بل نظام حياة متكامل وإذا اختل أحد عناصره اختل كل شيء. ولهذا لم تسمِّ دول العالم وثيقة تنظيم المدن بـالتصميم الاساسي عبثاً لأن المدينة من دونه تتحول إلى تجمع سكاني كبير بلا تنظيم وفوضى في الخدمات. كثيرون يتساءلون عن سبب التدهور المتسارع الذي شهدته بغداد منذ مطلع هذا القرن فيحمل البعض أمانة بغداد المسؤولية وآخرون يلومون المواطن أو الهجرة من المحافظات. لكن الحقيقة أن العامل الأهم هو ما يسميه المختصون التحضر السريع، أي الزيادة السكانية الكبيرة خلال فترة قصيرة من دون استعداد تخطيطي مسبق لاستيعابها.
ان المخطط الأساس لأي مدينة هو خطة تمتد عادة بين 20 و30 سنة، تحدد أين يسكن الناس وأين تُقام المدارس والمستشفيات والطرق والحدائق والأسواق والماء والمجاري وكيف تتمدد المدينة مستقبلاً وهو ليس خريطة هندسية فقط بل برنامج متكامل للحياة والعمل والتنقل وهناك صعوبة كبيرة في اجراء اي تغيير عليها. ان آخر مخطط أساس شامل لبغداد وُضع بمواصفات عالمية كان عام 1973 من قبل شركة (بول سيرفر) لمدينة كان عدد سكانها يقارب ثلاثة ملايين نسمة. وكانت امانة بغداد قد اعلنت عام 2022 عن مخطط اساس لمدينة بغداد 2030 بعد التعاقد مع شركة (خطيب وعلمي) ولكن فعليا يتم التجاوز يوميا على هذا المخطط فما زلنا نشهد بناء عشوائي واختناقات مرورية وتجاوزات على الأراضي وتغيير استعمالات المناطق السكنية وتقلص المساحات الخضراء وغياب الخدمات ومعظمها قرارات او رغبات شخصية. فنجد عند منح إجازات البناء غياب دراسة شاملة لمسألة تحمل البنية التحتية من ماء ومجاري وكذلك توفر الخدمات الأساسية قربها مثل المستشفيات أو المراكز الصحية والمدارس الحكومية ومواقف سيارات منظمة ووسائل النقل العام وانما يكون التركيز فقط على المباني السكنية والمطاعم.
ان المشكلة ليست جمالية فقط بل خدمية، فشبكات الماء والمجاري والكهرباء لا تُنشأ اعتباطا بل تُصمم وفق كثافة سكانية محددة. وعندما يُنشأ مجمع سكني كبير داخل حي قديم لم يُخطط له فإن آلاف السكان يضافون فجأة إلى شبكة صُممت لعدد أقل بكثير. تبدأ المشكلة بضعف ضغط الماء ثم طفح المجاري ثم الانقطاعات الكهربائية المتكررة وبعد سنوات قد تصل الشبكات إلى مرحلة الانهيار الكامل وعندها لا ينفع الإصلاح الجزئي بل تحتاج الدولة إلى إعادة إنشاء الشبكة بالكامل وهو عمل شديد الكلفة لأنه يقع تحت الطرق والمباني، أي تكسير للشوارع وإغلاقها لأشهر وربما سنوات. كل استثناء تخطيطي اليوم هو أزمة مالية وخدمية غداً لأن هذه الخدمات صُممت على أساس التصميم الأصلي للمدينة لا وفق الواقع الحالي.
فمثلا في ألمانيا لا تستطيع البلدية تغيير صفة الأرض من سكني إلى تجاري مهما بلغت الأرباح لأن المخطط العمراني قانون ملزم وقد رُفضت مشاريع مراكز تجارية ومبانٍ مرتفعة لأنها ستضغط على الطرق وشبكات الخدمات. وفي اليابان لا يُسمح ببناء برج مرتفع إذا كان الشارع ضيقا لأن ذلك سيحجب الضوء والهواء عن المنازل المجاورة أو يضيف كثافة سكانية لا تتحملها المنطقة وقد أُلغيت مشاريع عقارية مربحة لأن البنية التحتية لا تستوعبها. أما في كندا، ففي مدن مثل تورونتو وفانكوفر يخضع أي مشروع سكني كبير لدراسات مرورية وبيئية وجلسات استماع عامة للسكان بل إن بعض الأبراج أُوقفت لأن المدارس أو شبكات الماء والمجاري لن تتحمل الزيادة السكانية. وحتى إنشاء جسر أو طريق قد يستغرق سنوات من الدراسات قبل الموافقة عليه.
يؤكد كبار منظّري التخطيط الحضري أن احترام المخطط الأساس ليس قضية تنظيمية فقط بل قضية استقرار اجتماعي واقتصادي. فالخبير الأمريكي لويس ممفورد، أحد أهم مخططي المدن في القرن الماضي، كان يرى أن المدينة إذا نمت بلا تخطيط تتحول من أداة لتنظيم حياة الإنسان إلى مصدر دائم للضغط النفسي والفوضى، لأن الإنسان يصبح خاضعاً للزحام والضجيج ونقص الخدمات بدل أن تخدمه المدينة. أما المعماري والمخطط الدنماركي يان غيل، الذي شارك في إعادة تخطيط كوبنهاغن وعدد من المدن الأوروبية، فيؤكد أن نجاح المدينة يقاس بقدرة الإنسان على العيش فيها يوميا بسهولة، وليس بعدد الأبراج أو المشاريع الاستثمارية فيها، وأن أخطر خطأ ترتكبه الحكومات هو السماح بالنمو العمراني قبل توفير النقل والخدمات والمساحات العامة. وتؤكد الباحثة الكندية جين جاكوبز أن انهيار المدن لا يبدأ بالاقتصاد بل يبدأ عندما تفقد الأحياء توازنها الوظيفي، أي عندما يختلط السكن بالتجارة أو تزداد الكثافة السكانية دون خدمات كافية، فتبدأ الهجرة الداخلية والتدهور الاجتماعي تدريجياً.
العالم الجديد