شارۆ عباس
لم تعد الحروب كما عرفها القرن العشرون. فالمشهد العسكري الذي كان يقوم على الجيوش الجرارة والطائرات المقاتلة والصواريخ العابرة للقارات، يشهد اليوم تحولاً عميقاً لا يقل خطورة عن اختراع البارود أو القنبلة النووية. نحن أمام لحظة تاريخية جديدة يصبح فيها الذكاء الاصطناعي شريكاً في اتخاذ قرار الحرب، بل ربما جنرالاً صامتاً يقف خلف الخرائط والشاشات، يقترح الأهداف ويحدد أولويات الضرب.
في قلب هذا التحول يقف مشروع Project Maven الذي طورته United States Department of Defense، وهو نظام يعتمد على خوارزميات متقدمة لتحليل كميات هائلة من البيانات العسكرية في زمن قياسي. آلاف صور الأقمار الصناعية، ولقطات الطائرات المسيّرة، وإشارات الاستخبارات الإلكترونية، كلها تُضخ إلى منظومات ذكاء اصطناعي قادرة خلال ثوانٍ على اكتشاف التحركات العسكرية ورسم مواقع منصات الصواريخ وتعقب بطاريات الدفاع الجوي.
لكن الخطورة الحقيقية لا تكمن في قدرة هذه الأنظمة على الرؤية والتحليل، بل في انتقالها إلى مرحلة أكثر حساسية: اقتراح القرار العسكري نفسه. فالخوارزميات لم تعد تكتفي بتحديد ما يحدث في الميدان، بل ترتب الأهداف وفق أولويات عسكرية وتقدم للقادة توصيات حول ما يجب ضربه أولاً. ما كان يستغرق في الماضي ساعات طويلة من التحليل البشري أصبح يحدث اليوم في دقائق، وربما في ثوانٍ.
وهنا يبدأ التحول الفلسفي الأخطر في طبيعة الحرب.
في الحروب الكلاسيكية كان القرار العسكري، رغم قسوته، قراراً إنسانياً في نهاية المطاف. الجنرال يدرس المعطيات، يزن المخاطر، ثم يصدر الأمر. أما في الحروب المدعومة بالذكاء الاصطناعي، فإن القرار يتحول إلى نتيجة خوارزمية تُبنى على تحليل احتمالات وأنماط إحصائية. الإنسان لا يقرر من الصفر، بل غالباً ما يوافق على توصية قدمها نظام ذكي صممها مهندسون يعملون بعيداً عن ساحة المعركة.
وهنا يظهر السؤال الأخلاقي الأكثر تعقيداً:
عندما تقترح الخوارزمية الهدف، ويوافق القائد على الضربة، ويُطلق الصاروخ… من يتحمل المسؤولية؟
هل هو القائد الذي ضغط الزر؟
أم المهندس الذي صمم الخوارزمية؟
أم المؤسسة العسكرية التي اعتمدت النظام؟
أم أن المسؤولية تتبخر في شبكة معقدة من القرارات التقنية؟
القانون الدولي للحروب ما يزال يفترض أن الإنسان هو صاحب القرار النهائي. لكن الواقع التقني يتقدم بسرعة أكبر من قدرة القوانين على اللحاق به. فكلما أصبحت الخوارزميات أكثر دقة وسرعة، ازداد اعتماد القادة عليها، حتى يصبح الاعتراض على توصياتها أشبه بمخاطرة غير عقلانية.
هكذا تتحول الحرب تدريجياً من صراع بين جيوش إلى منافسة بين خوارزميات.
الجيش الذي يرى أسرع، ويحلل أسرع، ويضرب أسرع، هو الذي يمتلك الأفضلية. لذلك لم تعد الطائرات المسيّرة مجرد أدوات استطلاع، بل أصبحت عيوناً رقمية تغذي عقولاً خوارزمية تعمل بلا توقف. السماء تمتلئ بالمستشعرات، والأرض تتحول إلى شبكة بيانات، بينما يجلس الذكاء الاصطناعي في الخلفية يربط كل شيء ببعضه ويحوّل الفوضى إلى أهداف.
التاريخ يعلمنا أن الحروب كانت دائماً مختبراً للتكنولوجيا.
فالحرب العالمية الثانية سرعت تطوير الرادار والصواريخ، والحرب الباردة أطلقت عصر الأقمار الصناعية والإنترنت. أما حروب القرن الحادي والعشرين فتبدو وكأنها المعمل الأكبر لتطوير الذكاء الاصطناعي العسكري.
لكن الفرق هذه المرة أن التكنولوجيا لا تعزز قوة السلاح فقط، بل تتسلل إلى قلب القرار العسكري نفسه.
وهذا ما يجعلنا أمام مفارقة خطيرة:
كلما أصبحت الحرب أكثر دقة تقنياً، أصبحت أيضاً أكثر برودة أخلاقياً. فالخوارزمية لا تشعر بالخسارة، ولا ترى الضحايا، ولا تتردد أمام المعادلات الحسابية. هي ببساطة تختار الخيار الأكثر كفاءة وفق البيانات المتاحة.
إننا نقترب من لحظة يصبح فيها الجنرال الحقيقي ليس الرجل الجالس خلف الطاولة، بل الخوارزمية التي تقترح عليه ما يجب فعله.
وعندها لن يكون السؤال من يملك السلاح الأقوى، بل من يملك العقل الاصطناعي الأكثر تفوقاً.
تلك هي حروب المستقبل:
حروب لا تُحسم فقط في السماء أو على الأرض، بل داخل خوادم الحواسيب، حيث تتصارع الخوارزميات بصمت، وتقرر أحياناً من يجب أن يعيش ومن يجب أن يُستهدف أولاً